تحقيق: حنين ناجي /عبدالمنعم خليفة
تكشف بيانات جهاز التعبئة العامة والإحصاء عن أزمة بيئية واقتصادية متصاعدة؛ حيث تُنتج مصر يومياً نحو 76.6 ألف طن من المخلفات، بينما لا يُعاد تدوير سوى 15.2 ألف طن فقط (حوالي 20% من الإجمالي)، هذه الفجوة الهائلة تعني هدر ملايين الأطنان سنوياً دون استغلال، مما يطرح تساؤلات حاسمة حول تعثر منظومة التدوير وضياع الفرص الاقتصادية والبيئية الكامنة في هذه “الثروة المهملة”.
على خط المواجهة
نقل “أدهم صبحي”، أحد عمال النظافة بشوارع الإسكندرية، صورة حية للتحديات اليومية، مشيراً إلى أن الأسواق والأحياء الشعبية تمثل البؤر الأكثر تكدساً بالقمامة، وأوضح أن غياب ثقافة “الفصل من المنبع” لدى معظم السكان هو العائق الأول؛ حيث يختلط الزجاج المكسور ببقايا الطعام، مما يعطل كفاءة الفرز ويجعل عملية نقل القمامة من الحاويات إلى سيارات التجميع ومحطات التدوير رحلة شاقة وغير مجدية اقتصادياً بالقدر الكافي.
وكشف صبحي عن المخاطر الصحية التي تتربص بالعمال يومياً، من جروح غائرة بسبب الزجاج والكرتون الحاد، إلى الالتهابات الجلدية والتعرض للروائح النفاذة، فضلاً عن الإرهاق البدني الشديد الناتج عن رفع الأوزان الثقيلة، واختتم عامل النظافة حديثه بمناشدة المواطنين بضرورة التعاون والالتزام برمي القمامة داخل الحاويات المخصصة، مشدداً على أن نظافة الشارع واستدامة البيئة ليست مسؤولية العامل وحده، بل هي مشاركة مجتمعية تبدأ من كيس القمامة في المنزل وتنتهي بتقدير جهد من يحافظون على المظهر الحضاري للمدينة.
رحلة التصنيع
وكشف المعلم جرجس، مدير أحد مصانع تدوير المخلفات بالإسكندرية، عن كواليس العمل داخل المصنع، حيث يعتمد على “مناخل” عملاقة لفصل المخلفات إلى مسارين: المسار العضوي (بقايا الطعام) الذي يخضع لعمليات ترطيب وتقليب لمدة 73 يوماً لإنتاج السماد، ومسار “المرفوضات” الذي يُوجه لإنتاج الوقود البديل، واستعرض جرجس مراحل المعالجة المتقدمة للمرفوضات، حيث يتم تمريرها على ماكينات “الفصل بالهواء” التي تعزل الخامات الخفيفة (بلاستيك وكرتون) عن الثقيلة (زجاج وحديد وأحجار)، لتدخل بعدها الخامات الخفيفة مرحلة الفرم لإنتاج وقود نظيف جاهز للتسويق.
عقبات الصناعة
وأضاف مدير المصنع، المخلفات في مصر “ثروة مهدورة” تنتظر من يكتشف قيمتها، مناشداً الدولة بضرورة تقديم دعم غير مادي يتمثل في تسهيل استخراج التصاريح وتحسين البيئة التشغيلية للمصانع الملتزمة بالمعايير البيئية، واختتم جرجس حديثه بالتأكيد على أن الوعي المجتمعي هو حجر الزاوية، مقترحاً تعميم ثقافة “الفصل من المنبع” عبر توفير صناديق مخصصة لكل نوع من المخلفات، بدلاً من تكدسيها فوق بعضها مما يقلل من جودتها وقيمتها عند التدوير.
الذراع التنفيذية للنظافة المتكاملة
وقال أحمد شحاتة، مدير المركز الإعلامي بشركة “نهضة مصر” للخدمات البيئية (إحدى شركات المقاولون العرب)، إن الشركة تضطلع بدور محوري كأحد الأذرع التنفيذية للدولة لتحقيق رؤية مصر 2030 في بناء بيئة مستدامة، وأوضح أن الشركة تدير منظومة النظافة في محافظة الإسكندرية ومناطق حيوية بالقاهرة مثل حلوان والطريق الدائري وصولاً إلى مواقع استراتيجية كمشروع الضبعة النووي، وذلك عبر قوة تشغيلية ضخمة تضم 7,800 عامل وفني وأسطول يتجاوز 600 سيارة ومعدة لضمان التغطية الشاملة على مدار الساعة.
مسار التدوير
وأشار شحاتة إلى أن المخلفات تُنقل إلى مصانع الشركة في “أبيس 1 و2” و”الزياتين”، حيث تبدأ عمليات فرز ميكانيكي دقيقة لفصل الكرتون والبلاستيك والمعادن والزجاج تمهيداً لإعادة تصنيعها، وأكد أن المنظومة تتجاوز التدوير التقليدي إلى إنتاج الوقود البديل (RDF)المستخدم في مصانع الأسمنت كطاقة نظيفة، بالإضافة إلى استخلاص السماد العضوي “الكمبوست” لدعم القطاع الزراعي، وهي عمليات مدعومة بمعدات ثقيلة ومناخل أسطوانية ترفع كفاءة الإنتاج.
استجابة فورية
وأضاف شحاتة أن الشركة وضعت خطة سريعة للتعامل مع مواقع الشكاوى المتكررة عبر فرق ميدانية مزودة بأجهزة متابعة إلكترونية لضمان سرعة الاستجابة وتقليل زمن تراكم القمامة، كما أوضح أن الشركة خصصت خطاً ساخناً وغرفة عمليات تعمل على مدار اليوم لتلقي بلاغات المواطنين، حيث يتم توجيه فرق استجابة فورية لحل المشكلات ميدانياً والتأكد من عدم تكرارها لضمان أعلى مستويات الرضا العام.
تحديات التشغيل ومتطلبات الدعم المالي
ولفت الأستاذ أحمد شحاتة إلى أن الميزانية المخصصة للنظافة تُوظف بأقصى درجات الكفاءة، إلا أن استمرار جودة الخدمة يستوجب زيادة الدعم المالي لتوفير تكنولوجيا متطورة ترفع من وتيرة العمل، وكشف عن رفع الشركة تقارير ومقترحات للجهات المعنية لزيادة الاعتمادات المالية، مؤكداً أن الاستثمار في منظومة النظافة هو استثمار مباشر في الصحة العامة وجودة الحياة، وفي سياق التحديات، حذر شحاتة من ظاهرة “النباشين” الذين يستحوذون على المواد عالية القيمة قبل وصولها للمصانع، مما يضعف ربحية عمليات التدوير ويفقد الدولة موارد اقتصادية هامة.
شراكات دولية
وأعلن شحاتة عن دخول الشركة مرحلة استراتيجية جديدة عبر إبرام بروتوكول تعاون مع شركة “تيدا” الصينية باستثمارات تُقدر بنحو 100 مليون دولار، بهدف إنشاء محطات متطورة لتوليد الطاقة الكهربائية من المخلفات الصلبة، وكشف أيضاً عن الحصول على موافقة رئيس مجلس الوزراء لبدء مشروع ضخم بمحافظة القليوبية لمعالجة 3000 طن يومياً من المخلفات، بما يضمن إنتاج طاقة نظيفة تتراوح بين 30 و60 ميجاوات يومياً، وهو ما يمثل نقلة نوعية في إدارة الموارد.
نحو منظومة متكاملة
وأكد الدكتور سامح رياض، رئيس جهاز حماية البيئة بالإسكندرية، أن الدولة تتبنى توجهاً لتحويل المخلفات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي عبر منظومة ترتكز على تشريعات واضحة ومؤسسات فاعلة، مشيراً إلى أن القانون رقم 202 لسنة 2020 يمثل الركيزة الأساسية لتنظيم كافة أنواع المخلفات (البلدية، الإلكترونية، والصلبة)، كما لفت إلى دور جهاز تنظيم وإدارة المخلفات في مراقبة الدورة الكاملة للمخلفات من التولد وحتى التخلص الآمن.
ضوابط التحول الأخضر
وأوضح رياض أن الاستراتيجية الوطنية تعتمد ثلاثة مسارات؛ تبدأ بإعادة التدوير للحفاظ على الموارد، ثم استخدام المخلفات العضوية والزراعية لإنتاج الغاز الحيوي كوقود نظيف، وصولاً إلى التخلص النهائي عبر مدافن هندسية تمنع تسرب الملوثات للتربة، وشدد على تفعيل مبدأ “المسؤولية الممتدة للمنتج” الذي يلزم الشركات بإدارة منتجاتها بعد الاستخدام، مع إيلاء اهتمام خاص بمكافحة البلاستيك أحادي الاستخدام لخطورته البيئية.
الابتكار والشراكة المجتمعية
وذكر رياض أن وزارة البيئة تدعم البحث العلمي لابتكار بدائل صديقة للبيئة من المخلفات الزراعية، مع توفير حزم تمويلية للمشروعات الناشئة بالتعاون مع وزارة الصناعة، واختتم بالتأكيد على أن المواطن، وخاصة الشباب والجامعات، هو الشريك الأساسي في نجاح المنظومة من خلال حملات التوعية ورصد مصادر التلوث لتحقيق بيئة مستدامة.