تقرير: اسراء زايد
تشهد مصر اليوم تحولاً واضحاً نحو الطاقة النظيفة في إطار سعيها لتحقيق التنمية المستدامة وتأمين إمدادات الطاقة للمدن والمزارع والمصانع، حيث لم تعد مصادر الطاقة المتجددة مجرد خيار بيئي أو رفاهية تقنية بل أصبحت ركيزة أساسية لاستراتيجية وطنية تهدف إلى مواجهة تحديات تغير المناخ وارتفاع تكاليف الوقود التقليدي، وفي هذا التقرير نستعرض مقومات مصر للطاقة المتجددة وأبرز المشروعات المنفذة ودور الخبراء في دفع التحول نحو مستقبل مستدام وآمن.
أهمية التحول للطاقة النظيفة
أكد الدكتور محمد سليم، استشاري الطاقة المتجددة، أن التحول للطاقة النظيفة أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية تفرضها تحديات أمن الطاقة وتغير المناخ، مشيراً إلى أن الاعتماد على مصادر الشمس والرياح والمياه يساهم في تقليل الانبعاثات الكربونية وتحسين جودة الهواء وخفض الضغط على الموارد التقليدية، وأوضح أن الطاقة المستدامة لا تقتصر على الإنتاج فقط، بل تشمل كفاءة الاستخدام وترشيد الاستهلاك لضمان استمرارية الموارد للأجيال القادمة.
مقومات مصر للطاقة النظيفة
وأشار سليم إلى أن مصر تمتلك موارد طبيعية استثنائية تجعلها رائدة في المنطقة، خاصة مع سطوع الشمس لأكثر من 3000 ساعة سنويًا وسرعات الرياح العالية في خليج السويس والزعفرانة، وأوضح أن الدولة نفذت مشروعات كبرى مثل مجمع “بنبان” الشمسي ومزارع رياح “جبل الزيت”، والتي تنتج آلاف الميجاوات وتوفر أكثر من 10 آلاف فرصة عمل، مما يساهم في تقليل فاتورة استيراد الوقود ودعم الصناعات الوطنية ونقل التكنولوجيا الحديثة.
الحفاظ على التنوع البيولوجي
وأوضح الدكتور محمد سليم أن مزارع رياح “جبل الزيت” و”الزعفرانة” تمثل نماذج عالمية متقدمة، حيث تضم مئات التوربينات المتطورة المرتبطة بالشبكة القومية عبر خطوط نقل تمتد لمئات الكيلومترات، وأكد أن هذه المشروعات لا تكتفي بإنتاج آلاف الميجاوات بل تراعي البعد البيئي بدقة، من خلال تطبيق منظومات ذكية لمراقبة الطيور المهاجرة تسمح بإيقاف التوربينات مؤقتاً أثناء عبور الأسراب، مما يضمن تحقيق التوازن بين تأمين الطاقة وحماية التنوع البيولوجي.
دعم الكوادر الشابة
وأشار سليم إلى أن التوسع في الطاقة المتجددة صاحبه اهتمام بالبحث العلمي داخل الجامعات، مثل كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية التي أصبحت منصة لابتكارات طلابية في مجالات تخزين الطاقة وتحسين كفاءة الاستهلاك، وأضاف أن هذه المبادرات لا تخرج كوادر مؤهلة لسوق العمل فحسب، بل تسهم في نشر ثقافة الطاقة النظيفة وتشجيع ريادة الأعمال الخضراء عبر تقديم نماذج تقنية قابلة للتطبيق المجتمعي والصناعي.
استراتيجية 2030
واختتم سليم حديثه بالتأكيد على أن مصر تمضي بثبات نحو هدف طموح يتمثل في وصول مساهمة الطاقة المتجددة إلى أكثر من 40% من مزيج الطاقة بحلول عام 2030، وهو ما يعكس رؤية وطنية لتعزيز الاستقلال الطاقي وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، مشيراً إلى أن هذا التحول أسهم في جذب استثمارات أجنبية ضخمة وتعزيز الثقة في الاقتصاد المصري، ليتحول “الاقتصاد منخفض الكربون” من مجرد هدف إلى واقع ملموس يدعم التنمية المستدامة.
توسع جغرافي وحلول شاملة
وأكد المهندس محمد زين الدين، مدير عام شركة زين إليكتريك، أن الطاقة الشمسية باتت الحل الأكثر فعالية لقطاعات الزراعة والصناعة والسكن في مصر بفضل دورها في خفض التكاليف وتأمين الإمدادات، وأوضح أن الشركة نفذت مشروعات واسعة النطاق في محافظات ومدن متنوعة مثل وادي النطرون، المنيا، العلمين، الإسماعيلية، والمدن الجديدة كالشروق وأكتوبر، حيث تتنوع المحطات بين أنظمة الربط على الشبكة لتغطية استهلاك المصانع والمنازل، ومحطات مستقلة مخصصة للمباني الخدمية والمزارع لتحقيق أقصى استفادة اقتصادية للمستخدم.
معايير التصميم
أشار زين الدين إلى أن نجاح أي محطة شمسية يعتمد على تقييم فني دقيق يشمل متوسط الاستهلاك اليومي والمساحة المتاحة، فبينما توفر المصانع والمزارع مساحات شاسعة للمحطات الكبرى، تظل المساحة تحدياً في المشروعات السكنية يتطلب تصميمات مرنة، وأضاف أن محطات الري بالطاقة الشمسية تُصمم بدقة وفق قدرة المضخات والأحمال المطلوبة من إنارة وأجهزة كهربائية، مؤكداً أن هذا التقييم المسبق يضمن رفع كفاءة التشغيل وتحديد القدرة المناسبة للمحطة دون هدر أو قصور في الأداء.
طوق نجاة للمزارعين
وأوضح المهندس محمد زين الدين أن مصر تتمتع بمستوى إشعاع شمسي مرتفع يضمن تشغيل المحطات بكفاءة طوال العام، مما جعل الطاقة الشمسية حلاً جذرياً للمزارعين في المناطق الصحراوية كبديل للمولدات المكلفة، وأكد أن التحول للشمس خفض النفقات التشغيلية بنسب تصل إلى 100% في بعض المشروعات، مع فترة استرداد لرأس المال تتراوح بين 5 و6 سنوات وعمر افتراضي يصل لـ 25 عاماً، مما يجعلها استثماراً طويل الأمد يوفر طاقة رخيصة ومستدامة.
التحديات وفرص النمو
وأشار زين الدين إلى أن قلة الوعي الفني لدى بعض العملاء وتأهيل الشركات المتخصصة يمثلان أبرز التحديات الحالية، خاصة في المحطات المستقلة التي تتطلب دقة عالية في التنفيذ لضمان سلامة البطاريات، ومع استقرار سوق المعدات حالياً، يشهد الصعيد والمناطق الصحراوية مثل “المغرة” ووادي النطرون إقبالاً كبيراً لتشغيل مضخات الري، وهو ما يقلل الاعتماد على الوقود الحفري وينعكس إيجاباً على تكلفة وجودة الإنتاج الزراعي.
رؤية مستقبلية
وأثناء حديثه عن بداية التجربة أوضح أن رحلة شركة “زين إليكتريك” بدأت عام 2021 بعد عودة المهندس محمد من السعودية لنقل خبراته للسوق المصري الواعد، حيث تخصصت في محطات الربط والري والمحطات المستقلة، واختتم حديثه بالتأكيد على أن مستقبل القطاع يتطلب دعم الدولة عبر نشر الوعي وتوفير تمويلات ميسرة للأفراد والمستثمرين، مشدداً على أن الطاقة المتجددة ليست مجرد توفير للكهرباء، بل هي ركيزة لتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني وتحقيق أهداف الاستدامة.