ecotopia.sbs

رئيس التحرير : أ.د أماني ألبرت

نائب رئيس التحرير : د.محمد عثمان

رئيس التحرير التنفيذي : د.علي زايد

الثلاثاء، 26 مايو 2026

البلاستيك يحاصر “عروس المتوسط”

دكتورة نهى التقتلي: تحركات حكومية لتحديث التشريعات وإرساء معايير بيئية صارمة

دكتور أحمد صبري: البلاستيك اختراع مفيد وكارثة بيئية مستمرة

تحقيق:حنين السيد ناجي

يُشكل التلوث البلاستيكي خطراً متزايداً يمتد من البحار والمحيطات وصولاً إلى التربة والحياة البرية، نتيجة المخلفات المنزلية والجسيمات الدقيقة التي تضرب التوازن الطبيعي، وفيما يتجه العالم للحد منه، تكشف التقارير عن تزايد ملحوظ في استهلاك البلاستيك محلياً بمعدل نمو سنوي قدره 7.5%، ليصل الاستهلاك في مصر إلى نحو5  ملايين طن سنوياً، وهو رقم يعكس حجم التحدي البيئي الذي تواجهه الدولة في إدارة هذه المخلفات والحد من آثارها السلبية.

شباك محملة بالخيبة

قال ناصر علي، أحد الصيادين المحليين بمدينة الإسكندرية، إن كمية البلاستيك في البحر بلغت مستويات مفزعة وتتزايد باستمرار خاصة قرب الشواطئ والمناطق المأهولة، وأوضح أن هذا التلوث بات يمثل معركة يومية للصيادين، حيث تتشابك الزجاجات والأكياس والقطع البلاستيكية المتكسرة في الشباك والخيوط، مما يتسبب في تلف المعدات ورفع تكاليف الصيانة المرهقة.

صرخة من أعماق البحر

وأضاف علي أن التلوث البلاستيكي لم يضرب المعدات فحسب، بل أدى إلى تراجع ملحوظ في كميات الأسماك والجمبري، نتيجة تغير سلوك الكائنات البحرية وهروبها من المناطق الملوثة، وأشار بأسى إلى مشاهد القتل البطئ للطيور والسلاحف والأسماك التي تعلق في الأجسام البلاستيكية أو تبتلعها بالخطأ، مما يهدد استقرار النظام البيئي الذي يمثل مصدر رزقهم الوحيد، ويضع مستقبل المهنة على المحك.

التركيب السام

وأوضح الدكتور أحمد صبري، أستاذ الكيمياء بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية، أنه لا توجد صيغة كيميائية واحدة للبلاستيك، حيث تتعدد أنواعه باختلاف المواد المستخدمة، وتظل العناصر الأساسية هي الكربون والهيدروجين المستخرجين من النفط والغاز الطبيعي، واللذين يتم دمجهما لتكوين سلاسل طويلة تعرف بالبوليمرات، وأشار إلى أن الأكسجين يدخل في تركيب الأنواع المستخدمة في زجاجات المياه والعصائر لمنحها الصلابة، بينما يلعب الكلور دوراً أساسياً في صناعة المواسير والعوازل لمقاومته الحرارة والماء.

معضلة عدم التحلل

وأضاف أستاذ الكيمياء أن أزمة البلاستيك الحقيقية تكمن في استغراق مئات السنين للتحلل، ويرجع ذلك إلى قوة الروابط الكيميائية بين ذرات الكربون التي يصعب تكسيرها عبر العمليات الطبيعية المعتادة، مما يؤدي إلى تراكم أطنان النفايات في المحيطات واليابسة، والحل لا يتوقف عند الاستغناء الكامل عن البلاستيك كونه أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأدوات المنزلية والمستلزمات الطبية، بل يكمن في رفع الوعي بأضراره وترشيد استخدامه.

قاتل المحاصيل الخفي

وأوضح الدكتور أنور عبد الرحمن، رئيس قسم الأراضي والمياه بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية، أن البلاستيك عند تحلله يتحول إلى جزيئات دقيقة تبقى في التربة لسنوات طويلة، والجسيمات النانوبلاستيكية تشكل خطراً كبيراً لقدرتها على النفاذ إلى الهواء والماء والتربة والتفاعل معها مكونة مواد سامة، كما أن وجود المواد البلاستيكية الدقيقة في التربة يؤدي إلى تغيير خصائصها الفيزيائية والكيميائية، مما يقلل الخصوبة ويضعف إنتاجية المحاصيل نتيجة إعاقة نمو الجذور.

سموم في الأعماق

وأوضح الدكتور أنور أن كثيراً من أنواع البلاستيك تحتوي على مواد سامة مثل البيسفينول والكلوريد متعدد الفينيل التي تتسرب إلى مصادر المياه، مما يفسد جودتها ويضر بصحة الإنسان والحيوان، وأن المخلفات البلاستيكية هي الأكثر انتشاراً في المسطحات المائية والأصعب تحللاً، لكونها مواداً غير طبيعية لا تجد ميكروبات أو إنزيمات قادرة على تفكيكها بكفاءة.

روشتة الإنقاذ

وأكد عبد الرحمن أنه لا يوجد بديل كامل للبلاستيك في الوقت الحالي، ولكن يمكن ترشيد استهلاكه والتركيز على الخيارات المستدامة، مع وجود بدائل آمنة للعمليات الزراعية مثل المواد القابلة للتحلل الحيوي، والتغطية العضوية باستخدام نشارة الخشب وقش الأرز، وهي وسائل تحافظ على خصوبة التربة وتحد من تراكم النفايات البلاستيكية الضارة.

هرمونات مزيفة

وأكدت الدكتورة ناردين سمير، استشاري التغذية العلاجية، أن الدراسات العلمية الحديثة أثبتت تسرب مواد كيميائية خطيرة من أنواع معينة من البلاستيك إلى الطعام والشراب، مثل البيسفينول وفثالات البلاستيك، خاصة عند تعرض العبوات للحرارة أو الخدش أو الاستخدام المتكرر، وخطورة هذه المواد تكمن في محاكاتها لعمل الهرمونات الطبيعية داخل الجسم، مما يؤدي إلى اضطرابات حادة في الغدد الصماء ومشكلات في النمو والخصوبة.

الزجاج هو الحل

وفيما يخص الحلول العملية، أوصت استشاري التغذية العلاجية بالعودة إلى استخدام العبوات الزجاجية أو الفولاذ المقاوم للصدأ كبدائل مثالية لتخزين وتسخين الأطعمة، بالإضافة إلى السيليكون الغذائي الذي يمتاز بعدم تفاعله مع الحرارة، واختتمت حديثها بالتأكيد على أن الوعي هو حائط الصد الأول، مشددة على دور الإعلام والمؤسسات التعليمية في نشر ثقافة الاستخدام المسؤول للبلاستيك وتقليل الاعتماد عليه في حياتنا اليومية لحماية صحة المجتمع.

شراكة دولية

وكشفت الدكتورة نهى التقتلي، مدير عام الإدارة العامة لحماية البيئة، عن مشاركة مصر الفاعلة في مشروع “Marine Litter MED PLUS” الممول من الاتحاد الأوروبي والممتد حتى عام 2027، تحت إشراف برنامج الأمم المتحدة للبيئة، وأوضحت أن المشروع يستهدف مكافحة المخلفات البحرية عبر تحسين إدارة النفايات في الموانئ وتطبيق أنظمة تكنولوجية تمنع تسرب البلاستيك إلى مياه البحر، وذلك بالتعاون مع المركز الإقليمي للإجراءات الطارئة للتلوث البحري، مما يضع مصر في قلب التحرك الإقليمي لحماية المتوسط.

موانئ خالية من السموم

وأكدت التقتلي أن وزارة البيئة تولي اهتماماً خاصاً بتطوير منظومة استقبال المخلفات في الموانئ بالتنسيق مع وزارة النقل وهيئة السلامة البحرية، تنفيذاً لمتطلبات اتفاقية “ماربول” الدولية، والتوجه الحالي يتضمن تغليظ العقوبات ضد السفن والصيادين المخالفين الذين يلقون مخلفاتهم في المياه، بالتوازي مع تنفيذ حملات توعية مكثفة في المناطق الساحلية والسياحية للحد من استخدام البلاستيك أحادي الاستخدام وتشجيع الاعتماد على البدائل الصديقة للبيئة.

خطة وطنية

وشددت مدير عام حماية البيئة على أن الدولة تتحرك بخطة وطنية واضحة لتطوير التشريعات وتطبيق معايير بيئية صارمة على السواحل، وقالت إن العمل جارٍ على دمج مفهوم الاقتصاد الدائري في منظومة إدارة المخلفات لتشجيع الاستثمار في إعادة التدوير بما يتماشى مع رؤية مصر 2030.