ecotopia.sbs

رئيس التحرير : أ.د أماني ألبرت

نائب رئيس التحرير : د.محمد عثمان

رئيس التحرير التنفيذي : د.علي زايد

الثلاثاء، 26 مايو 2026

المخلفات الإلكترونية.. سموم صامتة تبحث عن منظومة تدوير آمنة

تحقيق: منار محمد أبو مسلم / أحمد السيد عبد الصادق

تتراكم النفايات الإلكترونية في مصر بوتيرة متسارعة مع الهيمنة التكنولوجية على تفاصيل حياتنا اليومية، هذه البقايا من هواتف وحواسيب ليست مجرد “خردة”، بل هي قنبلة موقوتة من الرصاص والزئبق تهدد الصحة العامة، وفي الوقت ذاته، تمثل “منجماً حضرياً” يزخر بالمعادن النفيسة التي تنتظر استثماراً علمياً آمناً يحول الخطر إلى عمار.

من النفايات إلى الموارد

أوضح المهندس أحمد سالم، رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية لتدوير المخلفات الإلكترونية (EERC)، أن تأسيس الشركة جاء استجابةً للزيادة المطردة في حجم النفايات الإلكترونية بالسوق المصري، وحرصاً على الحد من آثارها البيئية السلبية، وأكد أن الهدف المحوري هو تحويل هذه المخلفات إلى موارد اقتصادية ضمن منظومة “الاقتصاد الدائري”، مشيراً إلى وجود تعاون وثيق مع  وزارة البيئة ومؤسسات دولية لدعم هذا التوجه الاستراتيجي.

تكنولوجيا استخلاص المعادن الثمينة

وكشف سالم أن حجم المخلفات الإلكترونية في مصر يتجاوز مئات الآلاف من الأطنان سنوياً، مما دفع الشركة لاعتماد تقنيات متطورة للفرز والمعالجة الكيميائية والميكانيكية لاستخلاص المعادن الثمينة كالذهب والنحاس من الأجهزة التالفة، وأشار إلى أن دورة التدوير تبدأ من استلام الأجهزة وتفكيكها، وصولاً إلى استخراج المواد الخام التي يعاد ضخها في صناعات جديدة، بما يحقق أقصى استفادة من “المناجم الحضرية” المتاحة.

المعايير البيئية الدولية

وشدد رئيس الشركة على الالتزام الصارم بالمعايير الدولية في كافة مراحل التدوير لضمان الأمان البيئي، حيث تُستخدم أنظمة متقدمة لمنع انبعاث الملوثات أثناء المعالجة، وأوضح أن الشركة تضمن التخلص الآمن من المكونات غير القابلة لإعادة الاستخدام عبر إرسالها إلى مدافن معتمدة بيئياً، مؤكداً أن الاستثمار في هذا القطاع يجمع بين العائد المادي وحماية المنظومة البيئية من مخاطر السموم الإلكترونية.

عقبات الوعي والتمويل

وأوضح المهندس أحمد سالم أن قطاع تدوير المخلفات الإلكترونية يواجه تحديات جوهرية، أبرزها ضعف الوعي العام بمخاطر هذه النفايات على البيئة سواء لدى الأفراد أو المؤسسات، بالإضافة إلى صعوبة توفير التمويل اللازم لتشييد بنية تحتية متكاملة تشمل خطوط إنتاج ومعامل متخصصة تضمن التدوير الآمن، وأكد أن غياب المعرفة بقيمة هذه النفايات يؤدي إلى التخلص منها بطرق غير رسمية تضر بالصحة العامة وتفقد الدولة موارد اقتصادية هامة.

روشتة الحل

ودعا سالم إلى ضرورة إدماج الوعي البيئي ضمن المناهج الدراسية لتنشئة أجيال تدرك خطورة النفايات الإلكترونية وكيفية التعامل معها، مطالباً الشركات الكبرى بتبني سياسات إنتاج مستدامة تقوم على مبادئ إعادة الاستخدام والتدوير، واختتم بالتأكيد على أن تكاتف الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني هو السبيل الوحيد لبناء نظام وطني متكامل، يحول أزمة النفايات من مشكلة بيئية تؤرق المجتمع إلى فرصة اقتصادية حقيقية تدعم التنمية المستدامة.

تفكيك يدوي ومخاطر غائبة

وكشف إبراهيم قباري ذكي، صاحب محل صيانة بمنطقة العطارين بالإسكندرية، أن الورش الصغيرة تتعامل يومياً مع كميات ضخمة من الأجهزة التالفة والقطع المستبدلة، والتي غالباً ما تُخزن عشوائياً داخل المحال قبل التخلص منها بطرق غير آمنة، وأوضح أن بعض الفنيين يلجأون لبيع هذه القطع لتجار الخردة أو تفكيكها يدوياً لاستخراج مكونات معدنية بسيطة.

سموم في قلب “العطارين”

وأشار ذكي إلى أن هذه الممارسات تشكل خطراً مباشراً على البيئة وصحة الإنسان، نظراً لما تحتويه تلك الأجهزة من مواد سامة كالرصاص والزئبق التي تتسرب أثناء التفكيك العشوائي، وأكد أن الوعي البيئي بين العاملين في هذا المجال ما زال محدوداً للغاية، مما يحول ورش الصيانة إلى بؤر غير مرئية للتلوث الإلكتروني، مشدداً على ضرورة وجود منظومة تجمع هذه المخلفات من المنبع بدلاً من تركها لعشوائية “الخردة”.

غياب القنوات الرسمية

وأضاف ذكي إلى غياب التواصل مع أي جهة رسمية معنية بجمع المخلفات الإلكترونية، مطالباً بتدشين نظام واضح يتيح للورش والمحلات تسليم الأجهزة التالفة بطريقة آمنة ومنظمة بدلاً من تراكمها، وأوضح أن العديد من المكونات الداخلية، مثل البطاريات والدوائر الإلكترونية، تحمل قيمة اقتصادية ويمكن الاستفادة منها، إلا أن استخراجها بشكل سليم يتطلب أدوات تكنولوجية ومعرفة فنية متخصصة غير متاحة في أغلب الورش الصغيرة، مما يؤدي في النهاية إلى فقدان قيمتها أو التخلص منها بشكل يضر بالبيئة.

انتعاش خلفه أزمة الأسعار

وكشف كريم ناصف محمد، تاجر شاشات تالفة وإكسسوارات، عن جانب حيوي في هذه الدائرة، حيث يقوم نشاطه على شراء الأجهزة المكسورة أو القديمة من الورش والأفراد لفرزها واستخراج الأجزاء الصالحة وإعادة تدويرها في السوق، وأوضح ناصف أن الارتفاع الكبير في أسعار الأجهزة الجديدة دفع المستهلكين نحو سوق “المستعمل” وقطع الغيار، مما جعل مكونات مثل الشاشات المسطحة، واللوحات الأم، وكابلات الطاقة، والبطاريات، سلعاً رائجة تشهد إقبالاً متزايداً.

خطر صامت في المخازن

وأشار التاجر إلى أن المكونات غير القابلة للاستخدام تُباع غالباً لتجار الخردة الذين يتخلصون منها بطرق بدائية، كالدفن أو الحرق، مما يمثل تهديداً مباشراً للبيئة، وأكد ناصف أنه يواجه صعوبات بالغة في التعامل مع القطع التي تحتوي على مواد خطرة نتيجة غياب جهة رسمية تتسلم تلك النفايات، وهو ما يضطره والعديد من التجار لتخزينها لفترات طويلة، مشدداً على أن نمو هذا السوق يتطلب تنظيماً رسمياً يحقق التوازن بين الربح الاقتصادي وحماية المجتمع من الملوثات الإلكترونية.