ecotopia.sbs

رئيس التحرير : أ.د أماني ألبرت

نائب رئيس التحرير : د.محمد عثمان

رئيس التحرير التنفيذي : د.علي زايد

الأحد، 24 مايو 2026

الهيدروجين الأخضر.. هل تعيد مصر كتابة تاريخ الطاقة من بوابة “خزان أسوان”؟

تقرير/ منار محمد أبو مسلم

برز مصطلح جديد بدأ يتردد بقوة في الأوساط الاقتصادية والسياسية والعلمية؛ وهو الهيدروجين الأخضر، هذا الغاز الذي كان حتى وقتٍ قريب حبيس المختبرات ومشروعات الأبحاث، أصبح اليوم عنواناً لطموحات دول كبرى تبحث عن مخرج بدلاً من الاعتماد على الوقود الأحفوري، وعن طريقٍ أكثر أماناً نحو مستقبلٍ خالٍ من الكربون، وفي هذا التقرير نستعرض دور مصر بوضع قدمها الخريطة الجديدة للطاقة النظيفة، بمشروعات ضخمة تمتد من منطقة قناة السويس إلى الساحل الشمالي والبحر الأحمر، وبشراكات دولية مع مؤسسات مالية وشركات عالمية،

جذور إنتاج الهيدروجين

أوضح المهندس شريف هدارة، وزير البترول الأسبق وأستاذ هندسة الميكانيكا بجامعة الإسكندرية، أن جذور إنتاج الهيدروجين الأخضر في مصر تعود إلى عام 1959 عند خزان أسوان؛ حيث كان يُنتج الهيدروجين المستخدم في صناعة الأسمدة عبر التحليل الكهربائي للمياه باستخدام الطاقة النظيفة المولّدة من الخزان، وهي تجربة رائدة سبقت ظهور المصطلح عالمياً بعقود، وأشار إلى أن قسم هندسة الميكانيكا يلعب دوراً محورياً في دعم أبحاث الطاقة المتجددة، مؤكداً أن الكلية تدمج هذا التوجه في مشروعات التخرج وأبحاث الماجستير، كما تقدم دعماً فنياً واستشارياً لشركات كبرى مثل “أبو قير للأسمدة” لتعزيز تحولها نحو الطاقة النظيفة.

الهيدروجين الأخضر يتفوق بيئيا

وفي سياق تبيانه للفروق التقنية، أوضح هدارة أن الهيدروجين الأخضر يختلف عن “الرمادي” و”الأزرق” في مصدر الطاقة؛ فالأخضر يُنتج من مصادر متجددة كالشمس والرياح، بينما يعتمد الرمادي على الوقود الأحفوري مع انبعاثات عالية لثاني أكسيد الكربون، أما الأزرق فيُعد حلاً وسيطاً يستخدم الوقود التقليدي مع تقنيات احتجاز الكربون، وأضاف أن الطاقة المتجددة هي العمود الفقري لهذه العملية، حيث تُستخدم لتشغيل أجهزة التحليل الكهربائي لفصل المياه إلى هيدروجين (كوقود بديل) وأكسجين يُطلق في الجو دون أثر بيئي سلبي.

آفاق التوسع اللوجستي

وبيّن وزير البترول الأسبق أن الهيدروجين الناتج عن التحليل الكهربائي يُضغط أو يُسيّل أو يُحوّل إلى مركبات مثل “الأمونيا” لتسهيل نقله وتخزينه بأمان وفقاً لنطاق الإنتاج الصناعي، وتوقع هدارة توسعاً ملحوظاً في استخدامات الهيدروجين محلياً ليشمل قطاعات الصناعة كبديل نظيف في مصانع الحديد والصلب والبترول، فضلاً عن قطاع النقل وتوليد الكهرباء؛ حيث يعمل الهيدروجين كمخزن للطاقة يضمن استقرار الإمدادات الكهربائية في أوقات الذروة أو عند انخفاض إنتاج المصادر المتجددة.

الاستثمار في المعرفة أولاً

وعن قدرة مصر على المنافسة عالمياً، أشار هدارة إلى أن العقبات الأساسية لا تزال اقتصادية وتقنية، إذ لم تصل الصناعة الوطنية بعد إلى مرحلة النضوج الكامل لتحقيق إنتاج تجاري واسع النطاق، وأكد أن الاستثمار في التدريب والبحث العلمي وتفعيل العلاقة بين الجامعة والصناعة هو المفتاح الحقيقي لتجاوز هذه العقبات، وتحويل الطموحات المصرية إلى واقع ملموس على خريطة الطاقة العالمية.

منصة لنقل “التكنولوجيا الخضراء

تحدث الدكتور حمدي أبو علي حسان، رئيس قسم الطاقة بالجامعة المصرية اليابانية للعلوم والتكنولوجيا، موضحاً أن الجامعة تُعد من أوائل المؤسسات العلمية في المنطقة التي وضعت الهيدروجين الأخضر ضمن أولوياتها البحثية، إدراكاً منها لدوره المحوري في مستقبل الطاقة العالمي ودعم التوجه الوطني نحو الاقتصاد الأخضر، وأكد أن الشراكة المصرية اليابانية تمثل عنصر قوة أساسياً في نقل التكنولوجيا الحديثة للسوق المصري، خاصة في مجال خلايا الوقود الهيدروجينية.

معامل متطورة

وأضاف أن معامل الجامعة تضم منصات بحثية متكاملة لدراسة إنتاج وتخزين ونقل الهيدروجين، تشمل وحدات لاختبار تأثير أنواع المياه المختلفة – سواء العذبة أو المالحة أو المعالجة -على كفاءة التحليل الكهربائي، وأشار إلى وجود أبحاث تركز على تطوير “محفزات كهربائية” جديدة تزيد من كفاءة التفاعل وتقلل استهلاك الطاقة، مما يسهم في جعل عملية الإنتاج أكثر جدوى اقتصادية.

قادة التحول

وبيّن الدكتور حمدي أن فرقاً بحثية متخصصة من الأساتذة وطلاب الدراسات العليا يعملون على تطوير تقنيات التحليل الكهربائي وتصميم أنظمة تخزين آمنة يمكن دمجها في البنية التحتية الحالية دون مخاطر بيئية، مؤكداً أن إشراك الطلاب يهدف لبناء جيل جديد يقود تحول الطاقة في مصر، ولفت إلى أن التحديات العلمية لا تزال قائمة، وعلى رأسها ارتفاع تكلفة المعدات وندرة المواد الخام، إلا أن الجامعة تسعى لتجاوز ذلك عبر المنح البحثية المشتركة مع الجانب الياباني والاتحاد الأوروبي، بما يضمن توطين التكنولوجيا وربط البحث العلمي بالقطاعات التنفيذية.

بوابات العبور للوقود الأخضر

أوضح المهندس ياسر صلاح الدين الحلو،  مدير إدارة الهندسة اللاسلكية في الهيئة المصرية بسلامة الملاحة البحرية في ميناء الإسكندرية، أن الميناء يؤدي دوراً استراتيجياً لاستقبال ونقل الوقود النظيف محلياً ودولياً، وأشار إلى وجود تعاون وثيق مع وزارتي البترول والبيئة لدمج معايير السلامة الحديثة في عمليات التخزين، ووضع بروتوكولات دقيقة لتأمين المواد القابلة للاشتعال كالهيدروجين.

بنية متخصصة وكوادر مؤهلة

وكشف الحلو عن خطط لإنشاء بنية تحتية متخصصة تشمل مناطق لتخزين وتصدير الهيدروجين، مع تخصيص مساحات للطاقة المتجددة لضمان فصلها عن الوقود التقليدي، وأكد أن تدريب العاملين بالميناء على تقنيات الطاقة الحديثة وأساليب النقل الآمن ومواصفات السفن المتخصصة يعد ركيزة أساسية لمواكبة المتطلبات الدولية المستقبلية.

فرص التصدير والمركز الإقليمي

وشدد على أن انخراط ميناء الإسكندرية في هذه المشروعات يفتح أسواق تصدير جديدة، ويعزز مكانته كمركز إقليمي للطاقة النظيفة في البحر المتوسط، معتبراً أن التحولات العالمية تشكل ضغطاً إيجابياً لتحديث الموانئ المصرية وتجهيزها لتكون لاعباً مؤثراً في مستقبل الطاقة العالمي.