ecotopia.sbs

رئيس التحرير : أ.د أماني ألبرت

نائب رئيس التحرير : د.محمد عثمان

رئيس التحرير التنفيذي : د.علي زايد

الثلاثاء، 26 مايو 2026

خبراء الزراعة: الزراعة الذكية.. المسار الأخضر لتحقيق التنمية المستدامة

دكتور عمرو صلاح: الزراعة الذكية ترفع دخل المزارع

دكتور علي إبراهيم: سياسة وطنية ومنصة بيانات لتعميم الزراعة الذكية

تقرير:حنين السيد ناجي

شهد مجال التنمية الزراعية المستدامة تطورات هائلة، مدفوعة بارتباطه الوثيق بالأهداف الأممية، مما أدى إلى تحول جذري في الأساليب الإنتاجية عبر الاعتماد على “الزراعة الذكية”، لتعزيز قدرة القطاع على التكيف مع التغيرات المناخية، وتلبية الطلب العالمي المتزايد على الغذاء، والذي يُتوقع أن يصل إلى 13.5 مليار طن بحلول عام 2050، لتبقى التكنولوجيا هي الرهان الأكبر في تحقيق الأمن الغذائي العالمي.

التكنولوجيا ومواجهة الصدمات البيئية

قال الدكتور علي إبراهيم، أستاذ بمركز البحوث الزراعية، إن الزراعة الذكية نهج تطبيقي متطور لتوظيف التقنيات الرقمية المتقدمة في دعم منظومة الأمن الغذائي وضمان استدامته في ظل التغيرات المناخية المتسارعة، حيث تهدف هذه الممارسة الحديثة إلى إحداث طفرة في معدلات الإنتاجية ورفع مستوى المداخيل الزراعية، بالتوازي مع تعزيز قدرة القطاع على التكيف مع التقلبات الجوية والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

موضحاً أن هذه الوسيلة تساهم بفاعلية في تقليل تأثر الإنتاج بالصدمات البيئية عبر تقنيات المتابعة اللحظية للمحاصيل وتحسين إدارة موارد المياه والطاقة وتفعيل نظم الإنذار المبكر، بما يضمن استقرار الإنتاج وتفادي الخسائر الناجمة عن موجات الجفاف أو الفيضانات، مع الإشارة إلى أن هذا التوجه لا يلغي الأساليب التقليدية بل يعمل على تطوير كفاءتها.

وصفة التوفير الذكي

وأوضح أستاذ مركز البحوث أن التجارب التطبيقية أثبتت قدرة الزراعة الذكية على خفض استهلاك المياه والأسمدة بنسب تتراوح بين 20 و50%، وذلك بفضل أنظمة الري المتطورة والمراقبة المستمرة للتربة، كما تسهم الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار في تقليص استخدام المبيدات عبر التنبؤ المبكر بالإصابات، مما يمنع الهدر ويحمي البيئة مع رفع كفاءة الإنتاج.

ترسانة التكنولوجيا الزراعية

وكشف إبراهيم أن الزراعة الذكية ترتكز على حزمة تقنيات تهدف لتحسين إدارة الموارد، وأبرزها حساسات رطوبة وملوحة التربة التي تحدد بدقة مواعيد الري لتجنب الإسراف، وتعمل أنظمة الري الرقمية بشكل أوتوماتيكي بناءً على بيانات هذه الحساسات، مما يضمن كفاءة عالية في استخدام كل قطرة مياه.

عيون رقمية في السماء

وأضاف إبراهيم أن بيانات الاستشعار عن بعد تُستخدم لمتابعة نمو المحاصيل ورصد مناطق الجفاف أو الأمراض لحظياً، بينما تتولى الطائرات بدون طيار (Drones) مهام مراقبة الحقول ورش المبيدات بدقة فائقة، بجانب التصوير الحراري لتحديد احتياجات النباتات بدقة.

الذكاء الاصطناعي كمرشد زراعي

وأكد الدكتور علي أن الذكاء الاصطناعي يلعب دوراً محورياً في التنبؤ بالآفات وتقديم توصيات دقيقة للري والتسميد عبر تطبيقات الهاتف المحمول، وأشار إلى أن هذه التقنيات أصبحت جزءاً من توجه عالمي نحو الاستدامة، مؤكداً أن مصر بدأت خطوات عملية لدمجها في المشروعات القومية والبحثية لضمان مستقبل زراعي آمن.

خريطة المشروعات الذكية

وأفاد الدكتور علي إبراهيم أن مصر تشهد حراكاً واسعاً في تطبيق الزراعة الذكية عبر مشروعات حكومية ودولية، أبرزها تحديث تقنيات الري في الدلتا والصعيد بالتعاون مع البنك الدولي، وأشار إلى وجود برامج رائدة لمنظمتي (FAO) و(ICARDA) في مجال الإرشاد الميداني، بالإضافة إلى الخريطة الرقمية للزراعة المناخية التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، والتي ترصد وتدعم المشروعات التقنية في مصر.

روشتة التوسع المستقبلي

وشدد إبراهيم على ضرورة صياغة سياسة وطنية موحدة لتعميم هذه التقنيات، من خلال إنشاء منصة بيانات زراعية رقمية تضمن تدفق المعلومات بين كافة الجهات، وأكد أن التحول الشامل يتطلب تقديم حوافز مالية ملموسة للمزارعين لتشجيعهم على اقتناء أنظمة الري الحديث، معتبراً أن دعم المزارع هو الخطوة الأساسية لضمان استدامة الأمن الغذائي المصري.

عائد اقتصادي

وأكد الدكتور عمرو صلاح، مدرس الاقتصاد الزراعي بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية، أن مشروع الزراعة الذكية مناخياً لم يكتفِ بحماية البيئة فحسب، بل أحدث طفرة اقتصادية داخل القرى، حيث ساهم في زيادة دخل المزارعين عبر رفع كفاءة الإنتاج وتنويع المحاصيل، فضلاً عن خلق فرص عمل مستحدثة في مجالات صيانة أنظمة الري الحديثة وإدارة محطات الطاقة الشمسية.

تمكين اجتماعي وأمن غذائي

وأشار صلاح إلى أن المشروع تجاوز الجوانب المادية ليلعب دوراً جوهرياً في تمكين المرأة الريفية من خلال برامج تدريبية أتاحت لها المشاركة الفعالة في اتخاذ القرار الميداني، مؤكداً أن هذه المنظومة تعزز الأمن الغذائي القومي بزيادة الإنتاج المحلي وتحسين جودة المحاصيل، مما يضمن مستقبلاً أكثر استقراراً للمجتمعات الريفية.

كسر حاجز الخوف

ولفت صلاح إلى أن مقاومة بعض المزارعين للتغيير كانت تحدياً اجتماعياً، مما استلزم تنظيم حملات توعية مكثفة وإقامة مزارع نموذجية “إرشادية” قدمت دليلاً واقعياً على فوائد التقنيات الذكية، وفي مواجهة نقص المياه، جرى تطوير أنظمة ري فائقة الكفاءة واعتماد تقنيات حصاد الأمطار، بينما تمت مواجهة تدهور التربة بزراعة محاصيل مُحسنة للخصوبة وتعميم أساليب الزراعة العضوية.

قاطرة النجاح الرقمي

وأكد الدكتور محمد إبراهيم، أستاذ الهندسة الزراعية بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية، أن التكنولوجيا غدت الركيزة الأساسية لنجاح الزراعة الذكية مناخياً في مصر، بما توفره من أدوات تمكن المزارعين من تحسين الإنتاج والتكيف مع التقلبات الجوية، وأوضح أن دمج التقنيات الرقمية، مثل الأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، يضمن إدارة المزارع بأعلى كفاءة ممكنة.

رقابة من الفضاء

وأضاف إبراهيم أن هذه التقنيات تتيح مراقبة صحة المحاصيل عن بُعد، مما يسهل الاكتشاف المبكر للأمراض والآفات، فضلاً عن تحليل البيانات لرفع كفاءة استخدام المياه والأسمدة، وأشار إلى أن التكنولوجيا تمنح المزارعين قدرة فائقة على التنبؤ بالطقس وإدارة المخاطر المناخية، كما تدعم جهود تقليل البصمة الكربونية عبر تتبع الانبعاثات والتحول نحو استخدام الطاقة النظيفة في الحقول.

حصاد الذكاء الرقمي

وأكد عماد علي، أحد المزارعين المشاركين في مشروع الزراعة الذكية، أن النظام الجديد مكنه من توفير كميات هائلة من المياه بفضل تقنيات الري التي تحدد احتياج كل محصول بدقة، وأوضح أن إنتاجية أرضه شهدت طفرة ملحوظة نتيجة المتابعة الدقيقة للتربة والطقس، مما ساعده على اختيار التوقيت المثالي للزراعة والحصاد، وتفادي خسائر فادحة كانت تسببها الأمراض والجفاف سابقاً.

أبعد من مجرد زراعة

وأضاف عماد أن أثر المشروع امتد ليحسن الدخل الأسري، ويفتح آفاقاً جديدة لأبنائه في مجالات مستحدثة مثل صيانة الأجهزة الزراعية الذكية وتحليل البيانات، ومع ذلك، لم يخفِ وجود عقبات تتمثل في الحاجة لتدريب مستمر لاستيعاب التكنولوجيا، وارتفاع تكاليف المعدات، بالإضافة إلى تحديات استقرار الإنترنت والكهرباء في بعض القرى.