د. أحمد محمد سالم: صيد “أطفال الأسماك” يقتل مستقبل الثروة السمكية ويخل بتوازن البحر
د. محمد عبد الغني: الأقمار الصناعية والرقابة الميدانية حائط الصد الأول لحماية الأنظمة البحرية
المحامي أحمد صعيدي: حظر تام للصيد داخل المحميات.. والقانون هو الضامن الوحيد لردع “مافيا الزريعة“
تحقيق: نورهان محمد عيد / حنين السيد ناجي
لا يزال البحر يمثل شريان الحياة الرئيسي لمئات الآلاف من الصيادين والقاطنين في المجتمعات الساحلية، إلا أنه يواجه في الآونة الأخيرة تهديدات غير مسبوقة ناتجة عن ظاهرة الصيد الجائر، وقد بات الضغط المتزايد على الثروة السمكية واقعاً ملموساً، حيث تؤكد الدراسات أن ما يزيد عن ثلث المخزون السمكي العالمي يتعرض للاستنزاف المفرط، وهو ما يقوض قدرة البحار على التجدد الطبيعي ويضع مستقبل الصيادين ونظمهم البيئية على المحك، ومن خلال هذا التحقيق، نستعرض واقع قطاع الصيد، ونبرز التحديات التي تجابه المصايد، مع التركيز على أهمية التشريعات والممارسات المستدامة في صون الثروات البحرية وضمان استدامتها للأجيال المقبلة .
أرقام وإحصائيات عالمية
تشير البيانات الإحصائية وفقا منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدةإلى أن نسبة المخزون السمكي الذي يتعرض للصيد المفرط نتيجة الممارسات الجائرة قد بلغت 35.5%، في حين يتم استغلال64.5% من المخزونات ضمن حدود بيولوجية مستدامة، وعند النظر إلى حجم الإنتاج الكلي، فإن 77.2% من عمليات الصيد تأتي من مخزونات تتسم بالاستدامة.
الصيد الجائر
وأفادت الدكتورة منة الله مشرفي، الخبيرة في علوم البيئة وصون الثروة السمكية، بأن ظاهرة الصيد الجائر تمثل نشاطاً بشرياً ارتبط باستغلال الموارد البحرية منذ العصور الأولى بحدوث انقراض لبعض الأنواع عبر التاريخ، وأوضحت أن هذا التأثير كان محدوداً قديماً نظراً لبساطة أدوات الصيد ومحدودية الكثافة السكانية، إلا أنه تحول في العصر الحديث إلى تهديد جسيم للتنوع البيولوجي العالمي؛ مدفوعاً بالتطور التكنولوجي الهائل، مثل استخدام أجهزة السونار والشباك العملاقة، وصولاً إلى الوسائل التدميرية كالمتفجرات والسموم التي تسمح بحصد الكائنات البحرية عشوائياً وبكميات ضخمة.
تدمير الموارد الطبيعية
وتابعت “مشرفي” موضحةً أن الصيد الجائر يتسبب في تقليص التنوع الحيوي وإحداث خلل في توازن السلاسل الغذائية، فضلاً عن تدمير الموائل الطبيعية الحيوية كالمستنقعات الساحلية والشعاب المرجانية، وهي بيئات تعتمد عليها أعداد غفيرة من الكائنات في التغذية والتكاثر، وأكدت أن هذه الأضرار تمتد آثارها لتطال المجتمعات المحلية؛ حيث تتدهور مصادر الغذاء، وتتقلص فرص العمل في قطاع الصيد، مما يجعل عملية التكيف مع التغيرات المناخية أكثر تعقيداً وصعوبة.
مستقبل الثروة السمكية في خطر
كما بينت أن الصيد الجائر يعد تهديداً مباشراً لاستدامة الثروة السمكية، كونه يستنزف المخزون بمعدلات تفوق قدرة الأسماك على التكاثر والتعويض الطبيعي، وشددت على أن هذا الاستنزاف يؤدي بالضرورة إلى انخفاض الإنتاج، وتراجع دخل العاملين في الصيد، وارتفاع أسعار المنتجات السمكية، بالإضافة إلى تعريض الأنواع ذات القيمة الاقتصادية العالية لخطر الاندثار، واختتمت تحذيرها بأنه في حال استمرار هذه الممارسات دون رقابة صارمة وإدارة مستدامة، فإن المصايد قد تواجه انهياراً كلياً يصعب علاجه أو إصلاحه على المدى البعيد.
قوانين ملزمة
وشددت على أن كبح جماح الصيد الجائر يتطلب تبني حزمة من التدابير العلمية والعملية المتكاملة؛ تبدأ بسن تشريعات صارمة تقنن حصص الصيد، وتأسيس مناطق محمية بحرية لصون الأنظمة البيئية، كما دعت إلى اعتماد معدات صيد صديقة للبيئة لتقليل الأضرار الجانبية، بالتوازي مع تفعيل أنظمة مراقبة وتتبع تقنية حديثة للمصايد، وأشارت إلى الأهمية القصوى لرفع وعي الصيادين وتدريبهم على ممارسات الصيد الرشيد، فضلاً عن ضرورة إجراء دراسات وأبحاث دورية لتقييم حالة المخزون السمكي وضمان حماية الأنواع التي تواجه خطر الانقراض.
استنزاف الموارد
وأوضح الدكتور أحمد محمد سالم، الباحث المتخصص في الاستزراع المائي بمختبر تكاثر وتفريخ الأسماك في المعهد القومي لعلوم المحيطات ومصايد الأسماك بالإسكندرية، أن الصيد الجائر يلقي بظلاله السلبية على عمليات تكاثر الأسماك؛ حيث يتم استهدافها في أطوار مبكرة وقبل اكتمال نضجها الجنسي، يؤدي هذا الممارس إلى تقليص أعداد الأسماك المؤهلة للتكاثر، مما يضعف قدرة المخزون السمكي على التجدد الطبيعي ويخل بتوازن النظام البيئي البحري ككل.
تحديات معالجة الصيد الجائر
ولفت الباحث إلى وجود معوقات كبيرة تحول دون التقييم الدقيق لحجم الصيد الجائر، نتيجة نقص البيانات المتعلقة بكميات وأنواع الأسماك المستخرجة، لا سيما في حالات الصيد غير القانوني، ويضاف إلى ذلك ضعف توثيق رحلات الصيد وتباعد المناطق الجغرافية المخصصة لها، مما يجعل القياس العلمي الدقيق لتأثير هذه الممارسات على المخزون أمراً في غاية التعقيد.
الرقابة والحلول المستدامة
وبيّن الدكتور أحمد أن التغلب على هذه التحديات يكمن في توظيف التكنولوجيا المتطورة، مثل الأقمار الصناعية وأنظمة تتبع السفن لمراقبة المصايد ورصد الأنشطة المخالفة، كما شدد على أن الاستزراع المائي يعد رافداً استراتيجياً لتوفير إنتاج مستدام يخفف العبء عن المصايد الطبيعية، واختتم بالتأكيد على أن تحقيق التوازن بين متطلبات الإنتاج وحماية البيئة يستوجب التزام الصيادين باستخدام شباك قانونية، واحترام مواسم الصيد، وتبني ممارسات مسؤولة.
خطر محدق بالمحميات البحرية
وأفاد الدكتور محمد عبد الغني، الخبير البيئي والباحث المتخصص في إدارة وحماية المحميات البحرية، بأن الصيد الجائر يشكل تهديداً مباشراً لكيان المحميات؛ إذ يتسبب في استنزاف الثروة السمكية وزعزعة التوازن البيئي داخل الأنظمة البحرية الحساسة، وأوضح أن استراتيجية إدارة المحميات ترتكز على تقسيم علمي دقيق، يشمل مناطق حماية صارمة يُحظر فيها الصيد تماماً، وأخرى يُسمح فيها بالنشاط المنظم وفق ضوابط محددة تضمن تعافي النظام البيئي ونمو المخزون.
تقييم الأثر البيئي
وأكد “عبد الغني” أن الجهات المعنية تعتمد منظومة رقابية متكاملة تتضمن إجراء دراسات ميدانية دورية لرصد أنواع وأعداد الأسماك، وتحليل التغيرات في كتلتها الحيوية وكثافتها، بالإضافة إلى تتبع مسارات المراكب داخل حدود المحميات وتقييم مؤشرات التنوع الحيوي، كما شدد على أن المخاطر تمتد لتشمل المشروعات الساحلية، مما يفرض ضرورة تقييم أثرها البيئي قبل التنفيذ.
الرؤية المستقبلية للاستدامة
واختتم الخبير البيئي تأكيده بأن الموازنة بين حماية البيئة البحرية ومتطلبات التنمية الاقتصادية تستدعي وضع خطط بعيدة المدى تحدد معايير دقيقة للاستغلال، ودعم بدائل اقتصادية مستدامة للمجتمعات المحلية، مع التشديد على التطبيق الحازم للقوانين لضمان بقاء الموارد البحرية إرثاً للأجيال القادمة.
المخزون السمكي ووطأة التهديد
وصرح الأستاذ أحمد صعيدي، المحامي البيئي ورئيس مجلس الأمناء بالمؤسسة المصرية للحقوق البيئية، بأن الصيد الجائر في مصر يمثل جريمة حقيقية تستهدف الثروة البحرية، وأوضح أن هذا النشاط المجرم يشمل كافة ممارسات الصيد التي تتم دون تراخيص رسمية أو عبر طرق تخالف أحكام القانون، كاستخدام معدات محظورة، أو الصيد في مناطق وأوقات يمنع فيها النشاط، وأشار إلى أن هذه الانتهاكات تمتد لتشمل صيد “الزريعة” والأنواع المهددة بالانقراض، مما يترتب عليه تراجع حاد في المخزون السمكي.
الأطر القانونية
وبين “صعيدي” أن القانون رقم 146 لسنة 2021 هو التشريع المنظم لعمليات الصيد وإطار الرقابة عليها؛ حيث يشدد القانون على إلزامية استخراج بطاقة صيد وتراخيص خاصة بالمراكب والمنشآت، مع الالتزام التام بالمناطق والمواقيت المحددة قانوناً، وحظر أي نشاط داخل المحميات البحرية، وأكد أن هذه القواعد القانونية تمنح المحامي دوراً محورياً في تقديم الاستشارات القانونية ومراقبة مدى التزام الجهات الرقابية بتنفيذ القانون لضمان الانضباط الكامل.
منظومة العقوبات وردع المخالفين
وفيما يخص الجانب العقابي، أكد المحامي البيئي أن المشرّع وضع عقوبات رادعة للمخالفين تشمل: عقوبة الحبس: تتراوح مدتها من سنة إلى ثلاث سنوات، والغرامات المالية: تبدأ من 100 ألف جنيه وتصل إلى مليون جنيه مصري، وذلك تبعاً لجسامة المخالفة المرتكبة.
حكاية صياد
واستعرض محمد حامد، أحد الصيادين المحليين الذين تمرسوا في مهنة الصيد لنحو 15 عاماً، درايته العميقة بخفايا البحر وأسراره، أنه يتعامل بصفة يومية مع أصناف متنوعة من الأحياء البحرية كالبلطي والجمبري، لافتاً إلى أن معظم الصيادين يعتمدون على قوارب صغيرة وشباك تقليدية ويبذلون جهدهم للتقيد بالقوانين، بينما تقع التجاوزات غالباً نتيجة الظروف المعيشية القاسية أو بسبب الأنشطة الصناعية الكبرى.
أرزاق الصيادين في مهب الريح
ومن واقع تجربته الميدانية، عبر حامد بكلمات مؤثرة عن معاناة الصيادين قائلاً: «نحن الصيادون البسطاء أول من يتجرع مرارة هذا الوضع؛ ففي السابق كان البحر يزخر بالخيرات، أما الآن فنقضي ساعات طويلة في البحث لنحظى بصيد يسير، فالصيد الجائر يشبه “السوس” الذي ينخر في أرزاقنا، وإذا لم تتوفر رقابة حازمة تتابع المراكب المخالفة، فسيخلو البحر من أسماكه وتندثر مهنتنا للأبد».