- دكتور محمد صلاح: “كيمياء السموم” تهدد الأوزون.. والبحث العلمي ينتظر “قبلة الحياة“
المهندس ليث محمود: حماية المجاري المائية مسؤولية وطنية.. والعامل هو خط الدفاع الأول
تحقيق: أمل أحمد
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن التلوث البيئي بات يمثل تهديداً وجودياً بحصده أرواح 12.6 مليون شخص سنوياً، بينهم 1.7 مليون طفل، وتشدد المنظمة على أن الحل يكمن في التحول الجذري نحو الطاقة النظيفة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي يستخدمه 3 مليارات نسمة، مع ضرورة تبني استراتيجيات دولية ورقابة صارمة على الانبعاثات الصناعية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، وفي هذا التحقيق، نستعرض خطر مخلفات المصانع، ودور الدولة في مواجهة تلك المخاطر، وكيفية توعية الأفراد والشركات لخلق بيئة نظيفة.
الفصل من المنبع
أكد المهندس محمد الجباري، مدير مصنع وشركة KTS في المنطقة الصناعية الثالثة في حي أكتوبر، أن الخطوة الأولى والأساسية في التعامل مع مخلفات “الإسطمبات” تبدأ بعملية الفصل الدقيق؛ حيث يتم تصنيفها إلى مخلفات صلبة، وسائلة، وكيميائية، وأوضح أن المواد الخطرة تُخزن في براميل محكمة الغلق تمهيداً لنقلها إلى مدافن آمنة أو مصانع معالجة حكومية مختصة، مشدداً على الحظر التام لصرف أي نفايات في المجاري المائية أو الأراضي الزراعية، ضماناً لعدم تلوث الموارد الطبيعية.
تكنولوجيا الرصد اللحظي
فيما يخص جودة الهواء، أشار الجباري إلى أن انبعاثات الأفران تخضع لرقابة صارمة عبر أبراج شفط وفلاتر متطورة لتقليل العوادم، مع إجراء قياسات دورية بأجهزة حديثة لضمان بقاء الغازات ضمن الحدود القانونية، ولا تقتصر المنظومة على الفحص الدوري، بل تشمل أنظمة رصد لحظي تعمل على مدار الساعة لتوثيق أي ارتفاع مفاجئ في الانبعاثات، مع تنفيذ صيانة شاملة كل شهرين وتدريب الكوادر البشرية على سرعة التعامل مع أي خلل فني، مما يعزز الأمان البيئي للعاملين والسكان المحيطين.
بروتوكولات حماية مشددة
وصف الجباري التعامل مع الزيوت المستعملة وأحماض التنظيف بأنه من أخطر مراحل الإنتاج نظراً لتأثيرها السام التراكمي؛ لذا يلتزم المصنع بتوفير معدات حماية شخصية وأنظمة تهوية قوية، مع البحث الدائم عن بدائل أقل ضرراً، وتمتد إجراءات السلامة لتشمل خطط طوارئ دقيقة للتخزين والنقل لمنع أي تسرب قد يلوث التربة أو المياه الجوفية، مع وضع ملصقات تحذيرية وتطبيق بروتوكولات صارمة للتعامل مع أي انسكاب كيميائي مفاجئ.
تكنولوجيا التنقية
واستعرض المهندس عبد الله حسين الرشيدي، مهندس كيميائي في شركة BCI، المنظومة المتطورة التي يعتمد عليها المصنع للتحكم في الانبعاثات، مؤكداً أن الاعتماد على تقنيات متنوعة مثل مرشحات الأكياس، وأجهزة الغسيل، وفلاتر الكربون النشط، بالإضافة إلى الفلاتر الكهروستاتيكية، رفع كفاءة التنقية لتتراوح ما بين 85% و99%، وأوضح أن هذه الدقة في الاختيار تعتمد بالأساس على نوع الانبعاثات وطبيعة المواد المتطايرة لضمان أعلى مستويات الأمان البيئي.
رقابة صارمة
وفيما يخص طبيعة المواد المستخدمة، أوضح الرشيدي أن هناك تفاوتاً في مستويات الانبعاثات؛ حيث تتصدر “الأيزوسيانات” القائمة وتحتاج إلى أنظمة تهوية فائقة، تليها “البوليول” التي تطلق روائح عضوية عند التسخين، وصولاً إلى المذيبات والمواد اللاصقة، وشدد على أن المصنع يطبق تعليمات حكومية صارمة تلزمه بإجراء قياسات منتظمة لانبعاثات المداخن وتقديم تقارير دورية للجهات المختصة.
سموم خفية
وكشفت الدكتورة شيماء عبد الله، استشاري الباطنة والجهاز الهضمي، عن حقائق صادمة حول تأثير الانبعاثات والعوادم التي تتجاوز الجهاز التنفسي لتستقر في بطانة المعدة والأمعاء، وأوضحت أن المواد الكيميائية المستنشقة تُمتص عبر الدم لتصل إلى الكبد، مسببةً اضطرابات حادة في إنزيمات الهضم، وزيادة في الحموضة، ونوبات متكررة من الآلام والانتفاخ.
لجان مشتركة وضبطية فورية
وكشف الأستاذ أحمد مصطفى، المراقب البيئي بجهاز شئون البيئة بالقاهرة، عن تفاصيل منظومة الرقابة الصارمة التي تُنفذ عبر حملات تفتيشية دورية ومعاينات ميدانية مفاجئة للمصانع، حيث أوضح أن اللجان المشتركة تركز مهامها على فحص كفاءة الفلاتر ومطابقة طرق التخلص من المخلفات للاشتراطات القانونية، مشيراً إلى أن الجهاز يعتمد سياسة “الاستجابة الفورية” لشكاوى المواطنين لضمان معالجة أي خلل فني قبل تحوله إلى أزمة بيئية.
لا تساهل مع “التعديات البيئية“
وشدد مصطفى على أن القانون هو المسطرة الوحيدة للتعامل مع المخالفات؛ حيث يتم تحرير محاضر فورية للمصانع التي يثبت تورطها في إلقاء مخلفات في الترع أو الشوارع أو عدم الالتزام بالحدود القانونية للانبعاثات، وأشار إلى أن العقوبات لا تقتصر على الغرامات المالية فحسب، بل تمتد لتشمل إيقاف النشاط مؤقتاً حتى تصحيح الوضع، مؤكداً: “مفيش تساهل في حماية البيئة”.
كيمياء السموم
وكشف الدكتور محمد صلاح، الأكاديمي بقسم الهندسة الكيميائية بجامعة الإسكندرية، عن “التركيبة القاتلة” لعوادم المصانع، مشيراً إلى أنها تحتوي على مزيج شديد الخطورة من أكاسيد النيتروجين والكبريت وأول أكسيد الكربون، وأوضح أن تفاعل هذه الغازات مع بخار الماء في الجو ينتج عنه “الأمطار الحمضية” التي تسبب تآكل المباني وتدمير التربة والنباتات، وحذر صلاح من غاز أول أكسيد الكربون، واصفاً إياه بأحد المحركات الرئيسية للاحتباس الحراري وتآكل طبقة الأوزون، مما يهدد برفع منسوب مياه البحار واختلال التوازن البيئي العالمي.
تلوث المياه
وأشار الدكتور صلاح إلى أن مخاطر التلوث الصناعي تتجاوز الهواء لتضرب شريان الحياة “المياه”؛ حيث يعمد بعض المصنعين إلى إلقاء المخلفات الكيميائية السامة في المجاري المائية دون معالجة كافية، هذا السلوك الكارثي لا يكتفي بتدمير الثروة السمكية وتقليل جودة مياه الشرب، بل يتسبب في دخول المعادن الثقيلة إلى السلسلة الغذائية وصولاً إلى الإنسان، مما يؤدي إلى إصابات خطيرة تشمل التسمم المزمن وتلف الكبد والكلى.
المسؤولية المشتركة
وفيما يخص الجانب التنظيمي، أكد صلاح أن الحكومة المصرية تفرض قيوداً بيئية صارمة ومعايير محددة لنسب الانبعاثات، إلا أن نجاح هذه القيود يظل مرهوناً بمدى استجابة أصحاب المصانع ووعيهم المجتمعي، وأشاد بنماذج بدأت بالفعل في تصحيح مسارها، مثل شركة “سيلفي للخدمات البترولية” التي طورت سياساتها لتقليل الانبعاثات، معتبراً إياها نموذجاً ملهماً للقطاع الخاص للتحول نحو الإنتاج الأنظف.
الوعي المجتمعي
واختتم الدكتور محمد صلاح رؤيته بالتأكيد على أن القوانين وحدها لا تصنع التغيير؛ فالحفاظ على البيئة هو “عقد اجتماعي” يتطلب وعي كل فرد ومؤسسة بخطورة التلوث، وشدد على أن الخطوات البسيطة التي يتخذها أصحاب المصانع والمواطنون اليوم هي الضمان الوحيد للوصول إلى هواء أنقى ومستقبل بيئي آمن للأجيال القادمة.
استراتيجيات معالجة السموم
وأكد المهندس ليث محمود، مهندس في قسم الجودة شركة القدس للأدوية والمستحضرات الطبية، أن المخلفات الصناعية، بما تحويه من مركبات سامة ومعادن ثقيلة، تمثل تهديداً مباشراً للتربة وجودة الهواء ما لم تخضع لمعالجة كيميائية دقيقة قبل التخلص منها، وأوضح أن إدارة المخلفات في التجمعات الصناعية تتطلب منظومة متكاملة تبدأ من الفصل وتنتهي بالتدوير.
حماية المجاري المائية
وحذر ليث من خطورة إلقاء المخلفات السائلة في الأنهار والبحيرات، خاصة المواد الدوائية التي تسبب خللاً في التركيب الكيميائي ودورة الحياة للكائنات المائية، وأشار إلى أن تلوث الثروة السمكية ينعكس سلباً على صحة الإنسان الذي يتناولها، مما يستوجب تركيب محطات معالجة فائقة الكفاءة داخل المصانع قبل صرف أي مياه صناعية..
وعي الكوادر يمنع الكوارث
وشدد المهندس ليث على أن الوعي البيئي داخل المنشأة يبدأ من العامل، الذي يمثل حجر الزاوية في منع التلوث؛ لذا تنظم الشركة دورات تدريبية مستمرة لتعليم الأطقم الفنية طرق التعامل الآمن مع الكيماويات وبروتوكولات الطوارئ، واختتم حديثه بالتأكيد على أن التوازن بين التطور الصناعي وحماية البيئة ليس مستحيلاً، بل هو ضرورة حتمية، قائلاً: “يجب أن تكمل الصناعة البيئة لا أن تدمرها، فالتطور الحقيقي هو الذي يحافظ على الإنسان قبل أن يطور حياته”.