وفيق نصير: مصر تدخل عصر “الرقمنة المناخية”.. والذكاء الاصطناعي يتنبأ بالسيول قبل 72 ساعة
وفيق نصير: مشروعات قومية لمواجهة غرق الإسكندرية وسحب “الجزر الحرارية”
وفيق نصير: الهيدروجين الأخضر وسدود الإعاقة يحولان التهديدات المناخية إلى “فرص استثمارية“
حوار: إسراء زايد
تصوير: أحمد عصام
في وقت يواجه فيه العالم والمنطقة العربية تحديات مناخية غير مسبوقة تهدد ركائز الحياة الأساسية، تبرز الحاجة إلى رؤى علمية قادرة على تحويل المخاطر إلى فرص، ويضع لنا الدكتور وفيق نصير، عضو البرلمان العالمي للبيئة، النقاط على الحروف حول التحديات البيئية الحرجة التي تواجه مصر، ونستعرض معه استراتيجيات الدولة في استخدام الابتكار والرقمنة لترويض الكوارث الطبيعية، ورسائل مباشرة للمواطن ليكون شريكاً في استعادة التوازن البيئي، وإلى نص الحوار:
ما هي أبرز التحديات البيئية الحالية التي تواجه المنطقة العربية، وكيف تؤثر لغة الأرقام على قطاعي الصحة والزراعة في مصر؟
تتشابك تحديات المنطقة بين ندرة المياه وتلوث الهواء وارتفاع منسوب البحر، وهي أزمات تستنزف الاقتصاد والصحة معاً؛ إذ يُكلف تلوث الهواء مصر سنوياً نحو 1.35% من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة الضغط على النظام الصحي لعلاج الأمراض الصدرية والقلبية، أما زراعياً، فقد تسببت التقلبات الجوية في فقدان 40% من المحاصيل سنوياً، مع توقع انخفاض إنتاجية المحاصيل الاستراتيجية كالأرز والذرة ما لم تُتخذ إجراءات وقائية عاجلة لمواجهة المناخ غير المستقر.
وكيف تهدد التغيرات المناخية الموارد المائية، وما هي سيناريوهات الدولة لتأمين مستقبل المياه؟
تواجه مصر ضغوطاً مائية حادة لكونها تعتمد على النيل بنسبة 97%، ومع تذبذب الأمطار يُتوقع انخفاض إيراد النهر بنسبة %10 بحلول عام 2095، ولتجاوز ذلك، تعتمد الدولة استراتيجيات عملية تشمل التحول الشامل لنظم الري الحديث لتقليل الفاقد، واستنباط سلالات زراعية تتحمل الجفاف والملوحة، كما يبرز التوسع في معالجة مياه الصرف الزراعي كحل جوهري.
وما هي أبرز مصادر التلوث الصناعي والزراعي في مصر، وما الخطوات العملية المتبعة للحد من أخطارها؟
تتركز مصادر التلوث في الصرف الصناعي غير المعالج وما يحمله من مواد كيميائية سامة، إضافة إلى عوادم النقل، وحرق المخلفات الزراعية -كقش الأرز- الذي يضر بالهواء والتربة معاً، ولمواجهة ذلك، فعّلت الدولة “السجل البيئي الصناعي” لمراقبة انبعاثات المصانع وضمان التزامها بالمعايير القياسية، كما تم إطلاق برامج طموحة لتحويل المخلفات الزراعية إلى أعلاف وطاقة حيوية بدلاً من حرقها.
بالنظر إلى التجارب الدولية الناجحة، كيف تستفيد مصر من النماذج العالمية في تقنيات الاستدامة وحماية الشواطئ؟
تمتلك دول مثل سنغافورة تجارب ملهمة في تدوير المياه بتقنيات متقدمة، وهو مسار تسعى مصر للتوسع فيه لتقليل الاعتماد على المياه العذبة، وفي مجال حماية البحار، تبرز تجربة أستراليا في استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة جودة المياه الساحلية، وهو ما بدأت مصر تطبيقه بالفعل في البحر المتوسط ضمن “اتفاقية برشلونة 2025″، هذا التوجه يبرهن على أن دمج التكنولوجيا المتطورة مع الإدارة البيئية هو السبيل الأسرع لتحقيق نتائج ملموسة لحماية البيئة الساحلية.
كيف تساهم التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي والاستشعار عن بُعد في ثورة الإدارة البيئية وتحسين جودة الحياة؟
أصبحت التقنيات الرقمية ركيزة أساسية للتنبؤ بالأزمات وإدارة الموارد بدقة؛ إذ يتيح الذكاء الاصطناعي حالياً التنبؤ بالسيول قبل وقوعها بـ 72 ساعة، مما يمنح وقتاً حاسماً لحماية الأرواح والممتلكات، وبالتوازي مع ذلك، يلعب الاستشعار عن بُعد دوراً رقابياً حيوياً في رصد تآكل الدلتا والتعديات على الأراضي الزراعية لحظياً لمنع المخالفات، كما يمنحنا تحليل البيانات الكبيرة القدرة على فهم أنماط استهلاك الطاقة والمياه بدقة.
ما هي التحديات البيئية الحرجة التي تواجه القاهرة والإسكندرية، وما هي الحلول العاجلة لضمان استدامة المدن الكبرى؟
تواجه القاهرة أزمة “الجزر الحرارية” الناجمة عن كثافة الخرسانة والزحام، ويكمن الحل الفوري في التوسع في النقل الأخضر كالمونوريل والحافلات الكهربائية، بجانب تعميم “المسطحات الخضراء العمودية” لتلطيف الحرارة وتحسين جودة الهواء، أما الإسكندرية، فتجابه خطر الغمر البحري نتيجة ارتفاع منسوب البحر، وهو ما تتعامل معه الدولة عبر مشروعات ضخمة لحماية الشواطئ بالمصدات الخرسانية، وتطوير “مواد رصف مسامية”.
كيف يمكن تحفيز القطاع الخاص للاستثمار في الاقتصاد الأخضر مع ضمان الربحية وتشجيع الابتكار؟
تقدم مصر حالياً حوافز اقتصادية ملموسة لجذب الاستثمارات البيئية، تشمل خصومات ضريبية تصل إلى 50% للمشروعات التي تعتمد على الطاقة المتجددة، بالإضافة إلى توفير تمويلات منخفضة التكلفة للمشاريع الصديقة للبيئة، هذا النهج يضمن للقطاع الخاص تحقيق عائد اقتصادي مجزٍ مع تقليل المخاطر المالية، مما يحفز الشركات على الابتكار في مجالات حيوية مثل إدارة النفايات والطاقة النظيفة>
ما هي الاستراتيجيات المتبعة لمواجهة الكوارث الطبيعية كالجفاف والسيول، وما الذي استلهمته مصر من النماذج العالمية؟
تعتمد مواجهة الكوارث على استراتيجيات متكاملة تحول الأزمات إلى فرص؛ فعلى غرار نموذج مدينة “سياتل” الذي يستخدم “حدائق الأمطار” لتخزين مياه السيول، أنشأت مصر منظومة من سدود الإعاقة في سيناء والبحر الأحمر، تعمل هذه السدود على حماية السكان من الفيضانات، وفي الوقت نفسه تقوم بتوجيه مياه السيول وتخزينها لاستخدامها لاحقاً في الزراعة والصناعة.
إلى أي مدى يساهم البحث العلمي والابتكار في تقديم حلول بيئية ملموسة داخل المشروعات القومية المصرية؟
البحث العلمي هو المحرك الفعلي للحلول البيئية في مصر؛ حيث يتم حالياً استخدام “تحليل البيانات الحرارية” للتنبؤ بالحرائق وحماية المساحات الخضراء، بالتوازي مع التوسع في إنتاج “الهيدروجين الأخضر” بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس كبديل نظيف للوقود الأحفوري، كما تمتد هذه الابتكارات لتشمل القطاع الزراعي عبر استنباط محاصيل مقاومة للجفاف والملوحة، وتطوير برامج ذكية لإدارة الموارد المائية.
ما هي الرسائل العملية التي توجهها للمواطنين والمؤسسات لدعم السياسات البيئية بشكل يومي ومؤثر؟
تكتمل المنظومة البيئية بوعي الفرد والمؤسسة؛ فعلى المواطن الالتزام بمبدأ “تقليل الاستهلاك وإعادة التدوير”، والحد من البلاستيك أحادي الاستخدام، مع الاستفادة من التطبيقات الذكية للتخلص الآمن من المخلفات كزيوت الطعام، أما المؤسسات، فعليها التحول نحو “المكاتب الخضراء” عبر الرقمنة الشاملة لتقليل استهلاك الورق، واستخدام تكنولوجيا حساسات الحركة لترشيد الإضاءة، والتوسع في الاعتماد على الطاقة الشمسية.