ecotopia.sbs

رئيس التحرير : أ.د أماني ألبرت

نائب رئيس التحرير : د.محمد عثمان

رئيس التحرير التنفيذي : د.علي زايد

الثلاثاء، 26 مايو 2026

“مبادرة 100 مليون شجرة” إلى التشجير المستدام وقانون البيئة بالمرصاد.. غرامات وحبس لمواجهة “جزاري الأشجار”

دكتور معتصم الطويل:  أدخنة الحرق تعبث بفيزياء السحب وتمنع هطول الأمطار

دكتورة رانيا أبو نعمة:  الأشجار.. الدرع الأخير للمدن في مواجهة موجات الحر

دكتور إبراهيم شحاتة:  غياب الأشجار يغتال خصوبة التربة ويهدد الأمن الغذائي

تحقيق: اسراء زايد / أسماء هاني

لم تعد أزمة فقدان الغطاء الشجري قضية بيئية محدودة، بل أصبحت تحدياً وجودياً يمس استقرار المناخ وجودة الهواء؛ ففي ظل الزحف العمراني المتسارع، تراجعت المساحات الخضراء بوتيرة تثير القلق، مما أدى لارتفاع درجات الحرارة وتفاقم ظاهرتي التصحر وتآكل التربة، وهو ما دفع الخبراء للتحذير من تغيرات بيئية لا رجعة فيها ما لم يتم التحرك العاجل لحماية الغطاء النباتي، في هذا التحقيق نستعرض جهود الدولة للمحافظة على البيئة وزيادة عملية لتشجير ووضع قوانين وعقوبات للتعرض لها.

 

 

غازات تفوق الكربون خطراً

أوضح الدكتور إبراهيم شحاتة، مدرس الميكروبيولوجي الزراعي بجامعة دمنهور، أن حرق الأشجار والمخلفات الزراعية يطلق مزيجاً من الغازات التي تتجاوز في خطورتها ثاني أكسيد الكربون، لتشمل الميثان وأكسيد النيتروز وأول أكسيد الكربون، وأشار إلى أنه رغم انتشار ثاني أكسيد الكربون، إلا أن الميثان وأكسيد النيتروز يمتلكان قدرة أعلى على احتجاز الحرارة داخل الغلاف الجوي لفترات أطول.

خلل التوازن البيئي

وأضاف شحاتة أن فقدان الغطاء النباتي يؤدي إلى اضطراب دورتي الكربون والنيتروجين، حيث يقل امتصاص الغازات الضارة نتيجة غياب الأشجار التي تمثل مخزناً طبيعياً للكربون، وحذر من أن تعرض التربة المباشر لأشعة الشمس يسرع تحلل المواد العضوية ويفقدها القدرة على تثبيت العناصر الغذائية، مما يضعف خصوبة الأرض وقدرتها على الاحتفاظ بالمياه، وهو ما يهدد استدامة الإنتاج الزراعي بشكل مباشر.

الدور الحيوي للأشجار

وأشار إلى أن الأهمية الحقيقية للأشجار تكمن في تحسين خواص التربة الفيزيائية والبيولوجية وتقليل معدلات التعرية الناتجة عن الرياح والمياه، كما تلعب دوراً رئيسياً في تنظيم المناخ المحلي من خلال توفير الظل وتقليل تبخر المياه وحماية الأراضي من التقلبات الجوية الحادة، وأكد أن إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة تتطلب برامج متكاملة تعتمد على استخدام الكمبوست والبيوشار وتنشيط الكائنات الدقيقة.

الحلول التشريعية

وشدد الدكتور على أن مواجهة هذه التحديات تفرض ضرورة اتخاذ إجراءات تشريعية حازمة للحد من قطع الأشجار والحرق المكشوف للمخلفات، مع التوسع في مشروعات تدوير النفايات الزراعية لتحويلها إلى سماد عضوي أو طاقة حيوية، كما دعا إلى توظيف التكنولوجيا الحديثة ونظم الاستشعار عن بعد لمراقبة التغيرات في الغطاء النباتي.

جزر الحرارة الحضرية

وأوضح الدكتور معتصم الطويل، مدرس الفيزياء الجوية بكلية العلوم جامعة القاهرة، أن تراجع الغطاء الشجري يسبب ارتفاعاً حاداً في درجات الحرارة محلياً نتيجة ظاهرة جزر الحرارة الحضرية، وأشار إلى أن المناطق التي تفتقر للمساحات الخضراء تفقد تبريد الطبيعة الناتج عن عملية النتح، مما يجعل المدن تسجل درجات حرارة أعلى بكثير من المناطق الريفية المحيطة.

مخاطر الحرق المكشوف

وأوضح الطويل أن فقدان الغطاء النباتي يجعل السطح مكشوفاً أمام الرياح، مما يزيد من سرعتها وتأثيرها التخريبي على التربة والبنية التحتية، كما شدد على أن الحرق المكشوف يمثل خطراً يفوق الحرق الصناعي المنضبط، لكونه يطلق ملوثات سامة وكربون أسود بشكل مفاجئ ومركز دون أي معالجة، مما يتسبب في تدهور كارثي وسريع لجودة الهواء المحيط.

الإنذار المبكر

وأكد أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب تعزيز أنظمة الرصد والإنذار المبكر لاكتشاف بؤر الحرق فور اندلاعها، مع تطبيق حظر صارم للحرق خلال فترات السكون الجوي بناءً على تنبؤات الأرصاد، وحذر من أن استمرار فقدان الأشجار قد يحول بعض المحافظات تدريجياً نحو مناخ شبه صحراوي، يتسم بزيادة موجات الحر، وانخفاض الرطوبة، وتراجع معدلات الأمطار، مما يغير وجه الحياة البيئية في تلك المناطق بشكل ملموس.

تسمم التربة

وأوضحت الدكتورة إيناس رشاد، مديرة إدارة نوعية الأرض والتربة والتشجير بالسويس، أن فقدان الأشجار يسبب تغيرات كيميائية حادة تخفض المواد العضوية وتزيد حموضة التربة، وحذرت من أن حرق المخلفات يطلق ملوثات خطيرة مثل الديوكسينات والمعادن الثقيلة كالرصاص والزئبق، التي تتراكم في الأرض وتدمر الكائنات الدقيقة المفيدة، مما يجعل التربة هشّة وغير قادرة على دعم النباتات، خاصة في المناطق الجافة.

مبادرات التشجير وعقوبات القطع

وأشارت إلى أن جهاز شؤون البيئة يواجه هذه الأزمات عبر مبادرة مائة مليون شجرة وتفعيل قانون البيئة الذي يفرض عقوبات تصل للحبس والغرامة على القطع غير القانوني أو الحرق المكشوف، ورغم جهود الدولة، تظل العشوائية العمرانية ونقص الوعي والتمويل من أبرز العقبات التي تتطلب تنسيقاً بين الجهات الحكومية والمجتمع المدني لحماية الأراضي.

الحلول المستدامة

واختتمت رشاد بالتأكيد على أن برامج التشجير التعويضي تعتمد على أنواع قادرة على مواجهة الجفاف مثل الكازورينا والنيم واللبخ، وشددت على أن استعادة خصوبة الأراضي المتضررة تتطلب حلولاً عاجلة تشمل فرض رقابة صارمة، وتوسيع حملات التوعية، واستخدام مياه الصرف المعالج في زراعة الغابات الشجرية لضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.

تلطيف المناخ المحلي

وأكدت الدكتورة رانيا أبو نعمة، استشاري حماية البيئة وأمين عام جمعية عين البيئة، أن وجود الأشجار داخل المدن عنصر جوهري لتقليل الإحساس بالحرارة ومواجهة الكتل الخرسانية التي تزيد من ظاهرة الجزر الحرارية، وأوضحت أن معدلات قطع الأشجار في مصر لم تصل لمرحلة التهديد المباشر في ظل مساعي الدولة لزراعة بدائل تعوض المساحات المفقودة، مشيرة إلى أن الحفاظ على المناخ المحلي يتطلب استمرارية وجود الغطاء النباتي في قلب المناطق الحضرية.

التوازن بين التنمية والبيئة

واختتمت بالإشارة إلى أن نجاح التشجير يعتمد على التخطيط العلمي واختيار الأنواع المناسبة لكل منطقة جغرافية لربطها بجهود خفض الكربون، وشددت على الدور المحوري للجمعيات البيئية في التعاون مع الجهات التنفيذية لرفع الوعي المجتمعي، مؤكدة أن الحل يكمن في تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة لضمان حقوق الأجيال القادمة.