ecotopia.sbs

رئيس التحرير : أ.د أماني ألبرت

نائب رئيس التحرير : د.محمد عثمان

رئيس التحرير التنفيذي : د.علي زايد

الثلاثاء، 26 مايو 2026

معركة الـ 21 مليار متر مكعب.. استراتيجية الدولة لسد العجز وحماية صحة المصريين

تقرير: إسراء زايد

تواجه مصر بعض التحديات في إدارة مواردها المائية، وذلك بسبب تلوث المياه والضغط السكاني المتزايد، هذه الأمور تؤثر على الأمن الغذائي والصحة العامة والتنمية المستدامة، ويعتمد ملايين المصريين على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه، لذا من المهم جداً مراقبة جودة المياه ومعالجة الصرف الصحي للحفاظ على حياة المواطنين واستمرار الأنشطة الزراعية والصناعية، يسلط هذا التقرير الضوء على آراء الخبراء حول مصادر التلوث والمخاطر البيئية والصحية، بالإضافة إلى جهود الدولة لمواجهة هذه الأزمة.

معركة الجودة واستدامة الموارد

أكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن قضية تلوث المياه في مصر لا تزال تحت السيطرة بفضل الرقابة المستمرة، لكنها تتطلب يقظة دائمة لضمان استدامة الموارد المائية المحدودة، وشدد على أن الحفاظ على نهر النيل، المصدر الرئيسي للحياة، ليس مجرد خيار بيئي بل هو ركيزة أساسية للصحة العامة والاقتصاد الوطني، مما يستوجب سياسات صارمة لمراقبة مصادر الصرف في ظل الضغوط السكانية المتزايدة.

تحدي النشاط البشري والمعادن الثقيلة

وصنف “شراقي” التلوث إلى نوعين؛ الأول طبيعي ناتج عن غسل الأمطار للصخور، وهو محدود التأثير، والثاني هو “التلوث البشري” وهو الأخطر، وحذر من تسرب المعادن الثقيلة كالرصاص واليورانيوم من الورش والمصانع إلى المجاري المائية، لما تمثله من تهديد تراكمي يظهر أثره الصحي بعد سنوات، خاصة على النمو العقلي للأطفال، كما أشار إلى مخاطر الصرف الصحي وما يحمله من مسببات لأمراض الكبد والجهاز الهضمي، موضحاً أن الصرف الزراعي يظل تحت المراقبة لضمان سلامة المحاصيل من بقايا المبيدات.

محطات “المعالجة الثلاثية

وكشف أستاذ الموارد المائية عن الدور الحيوي للسد العالي في غسل مجرى النيل؛ حيث يطلق يومياً ما بين 150 إلى 200 مليون متر مكعب من المياه، مما يساهم في تقليل تركيز الملوثات وتجديد شباب النهر، وأوضح أن الدولة تتبنى استراتيجية طموحة للتوسع في محطات المعالجة الثلاثية، مستشهداً بمحطة “بحر البقر” الأضخم عالمياً، ومحطة “الدلتا الجديدة” بالحمام، كدروع تقنية تحول مياه الصرف إلى مورد آمن للري، وتدعم مشروعات التنمية القومية لضمان مستقبل مائي آمن وصحي لجميع المصريين.

ضغط السكان ومحدودية المياه

وأكد الدكتور عباس شراقي أن النمو السكاني السريع يمثل التحدي الأكبر أمام إدارة الموارد المائية في مصر؛ حيث يرفع الطلب على المياه النظيفة بشكل مستمر، ويزيد من مخاطر التلوث في المناطق الحضرية والريفية، وأوضح أن هذا “الضغط الديموغرافي” يتزامن مع ثبات الموارد المائية، مما يجعل أي تهاون في مراقبة جودة المياه أو كفاءة الصرف الصحي تهديداً مباشراً للصحة العامة والأمن الغذائي والصناعي.

استراتيجية المواجهة والوعي المجتمعي

وأشار شراقي إلى أن الدولة تسابق الزمن لتوسيع شبكات المياه وتطوير محطات المعالجة في المناطق الأكثر كثافة، لتقليل الاعتماد على المصادر غير الآمنة، وشدد على أن استدامة المياه تتطلب “تعاوناً متكاملاً” بين الحكومة والمجتمع؛ فبينما تعمل الدولة على تحديث البنية التحتية، يظل ترشيد الاستهلاك ومنع التلوث مسؤولية مجتمعية حتمية لضمان صمود منظومة المياه أمام الضغوط البيئية والمناخية المستقبلية.

تهديد استراتيجي يطارد الأمن القومي

وأكد الدكتور يسري خفاجي، خبير الموارد المائية، أن تلوث المياه بمصادر الصرف الثلاثة (الزراعي والصناعي والصحي) لم يعد مجرد قضية بيئية عابرة، بل تحول إلى تهديد استراتيجي يمس الأمن المائي والتنمية المستدامة، وحذر خفاجي من أن استمرار هذا التلوث، تزامناً مع الزيادة السكانية المتسارعة، قد يؤدي إلى عجز مائي سنوي يُقدر بالمليارات من الأمتار المكعبة، مما يضع ضغوطاً هائلة على الموارد المحدودة ويهدد التوازن بين احتياجات المواطنين والقطاعات الإنتاجية.

مخاطر “المركبات الكيميائية”

وكشف خفاجي عن الوجه الخفي لمخاطر الصرف؛ حيث تسبب مركبات النيتروجين والفوسفور في الصرف الزراعي نقص الأكسجين في المياه وتراكم المبيدات في السلسلة الغذائية، بينما يمثل الصرف الصناعي غير المعالج خطراً أكبر لاحتوائه على معادن ثقيلة ومواد سامة ناتجة عن صناعات النسيج والنفط والبلاستيك، وأوضح أن هذه الملوثات لا تكتفي بتدمير التنوع البيولوجي المائي، بل تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، مما يسبب مخاطر صحية مزمنة للإنسان وتدهوراً في إنتاجية الأراضي الزراعية.

دروع الدولة المائية

وفي مواجهة هذه الفجوة المائية التي تصل إلى 21 مليار متر مكعب سنوياً، أكد خفاجي أن الدولة شيدت قلاعاً تكنولوجية للمعالجة، مثل محطات “المحسمة” و”بحر البقر” و”الدلتا الجديدة”، والتي توفر مجتمعة نحو 4.5 مليار متر مكعب من المياه المعالجة سنوياً، وتتوازى هذه المشروعات مع إحكام الرقابة القانونية عبر قانون الموارد المائية والري الجديد، وتطوير شبكات الصرف الزراعي لمساحات تجاوزت 3.7 مليون فدان، كدعامة أساسية لتقليل الفجوة وحماية الصحة العامة.