تحقيق: منار أبو مسلم / أمل أحمد علي
تواجه مصر في السنوات الأخيرة تحدياً بيئياً وصحياً متنامياً يتمثل في التخلص العشوائي من زيوت الطعام المستعملة، سواء في المنازل أو المطاعم، هذه المشكلة، التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، تحمل آثاراً كارثية على كفاءة شبكات الصرف الصحي وجودة المياه، فضلاً عن تهديدها المباشر لصحة المواطنين في حال إعادة تدويرها بشكل غير آمن، في هذا التحقيق نستعرض أراء الخبراء والمتخصصين لمعرفة أسباب تفاقمها، ووضع الحلول لمواجهتها والقضاء عليها.
تحديات بيئية
في البداية أوضح الدكتور مصطفى مراد، خبير شئون البيئة والطاقة بوزارة البيئة المصرية، أن التخلص العشوائي من زيوت الطعام يمثل تحدياً متصاعداً؛ نظراً للاعتماد الكبير على “القلي” كنمط طهي أساسي، وأشار إلى أن سكب هذه الزيوت في الصرف يؤدي لتكون طبقات صلبة تسبب انسداد الشبكات ورفع تكاليف صيانتها، فضلاً عن تسرب مركبات كيميائية للتربة والمياه الجوفية تساهم في انتشار الميكروبات والروائح الكريهة.
رقابة صارمة
وأكد مراد أن الوزارة تلزم المطاعم والمنشآت الغذائية بنظام جمع آمن، يربط منح التراخيص بضرورة تسليم الزيوت لشركات معتمدة، وذلك بالتنسيق مع المحليات ووزارة التموين، وشدد على أن المصانع والورش يجب أن تلتزم بمعايير دقيقة في التخزين والمعالجة، لافتاً إلى أن المخالفين يواجهون عقوبات صارمة تبدأ بالغرامات وتصل إلى الإغلاق والإحالة للنيابة.
دعم الشركات وتحفيز التدوير
وأشار الخبير إلى دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة عبر التدريب الفني وتسهيل التراخيص البيئية، لضمان تحويل الزيوت إلى منتجات ذات قيمة بدلاً من إهدارها، وأوضح أن الدعم يشمل تقديم المشورة الفنية وربط هذه الكيانات بشبكات التوريد لضمان استدامة نشاطها وحماية البيئة من ممارسات التخلص غير الآمنة.
وقود حيوي
وكشف مراد عن خطط لتشجيع صناعة “الديزل الحيوي” (Biodiesel) من الزيوت المستعملة، عبر إنشاء خطوط إنتاج جديدة بالتعاون مع جهات بحثية، وأكد أن الهدف النهائي هو تحويل هذه المخلفات إلى طاقة نظيفة تساهم في تقليل الانبعاثات الكربونية، بما يتماشى مع استراتيجية مصر للطاقة المستدامة 2030.
مخاطر الزيوت المكررة
وأكد الدكتور إيهاب وديع، استشاري القلب بالقصر العيني، أن تناول الأطعمة المقلية بزيوت استُخدمت أكثر من مرة يمثل خطراً جسيماً على الصحة؛ إذ يرفع احتمالات الإصابة بأمراض القلب والشرايين والكوليسترول الضار، فضلاً عن اضطرابات الهضم والتهابات الكبد، وأوضح أن المركبات المتكونة في الزيت “المحروق” تضعف المناعة وتزيد من فرص الإصابة بالأمراض المزمنة.
سموم كيميائية
وأوضح وديع أن إعادة تسخين الزيت تؤدي لتكوين مواد سامة مثل “الأكرولين” والدهون المتحولة والجذور الحرة، وأضاف أن هذه المركبات الكيميائية تهاجم خلايا الجسم وتزيد من حدة الالتهابات، وقد تلعب دوراً في الإصابة بالسرطان على المدى الطويل نتيجة التغيرات الجزيئية التي تطرأ على الزيت عند وصوله إلى “درجة التدخين”.
الفئات الأكثر عرضة للخطر
وأشار الاستشاري إلى أن الأطفال وكبار السن هم الأكثر تأثراً بهذه السموم نظراً لضعف مناعتهم وعدم قدرة أجسادهم على التخلص من الملوثات بكفاءة، وحذر من أن الزيت الذي يميل لونه للقتامة أو تنبعث منه رائحة نفاذة يعد مؤشراً قاطعاً على تحوله لمادة ضارة يجب التخلص منها فوراً.
رسائل تحذيرية
ولفت الدكتور إيهاب إلى وجود أعراض تظهر على الجسم عند تناول أطعمة مقلية بزيوت تالفة، أبرزها: الإرهاق المستمر، الحموضة، الصداع المتكرر، واضطرابات القولون والانتفاخ، وصولاً إلى التهيج الجلدي، وأكد أن هذه العلامات هي “رسائل تحذيرية” من الجسم بضرورة التوقف عن استهلاك هذه الزيوت المؤذية.
بناء منظومة خضراء
قالت الأستاذة مريم عفيفي، العضو المؤسس والرئيس التنفيذي للعمليات بشركة “جرين بان”، إن الشركة تعمل على بناء منظومة متكاملة لجمع زيوت المنازل والمطاعم لمنع وصولها إلى شبكات الصرف وتحويلها لمنتجات صديقة للبيئة، وأكدت أن دور الشركة يتجاوز الجمع إلى نشر التوعية المجتمعية، بهدف خلق حلول عملية ومستدامة تحمي البيئة وتستفيد من المخلفات بدلاً من هدرها.
تطبيقات ذكية
وأوضحت عفيفي أن الشركة تعتمد وسائط متنوعة للجمع، تشمل تطبيقاً إلكترونياً لتسهيل الطلبات المنزلية، ونقاط تجميع ثابتة، ومندوبين ميدانيين بمختلف المحافظات، وأضافت أن التعاون المباشر مع المنازل والمطاعم ساعد في بناء شبكة واسعة تضمن تجميع كميات كبيرة من الزيوت بفاعلية وسرعة، مما يعزز من كفاءة المنظومة.
من “هالك” إلى ديزل وصابون
وأشارت مريم إلى أن الزيت المستعمل يُحوَّل إلى منتجات متعددة، أبرزها الديزل الحيوي، والصابون الصناعي، والشمع، وبعض المواد الكيميائية غير الغذائية، وكشفت عن وجود تعاون مستمر مع جهات صناعية متخصصة لتحويل الزيوت إلى منتجات عالية الجودة، بما يحقق عائداً اقتصادياً ويقلص حجم المخلفات البيئية.
حوافز منزلية
وعن آلية التحفيز، أوضحت أن الشركة تقدم للمواطنين مقابلاً يتمثل في مبالغ مالية أو سلع منزلية كالمنظفات والصابون، لافتة إلى أن القيمة تُحدد بناءً على كمية الزيت وجودته، وأكدت أن هذه الحوافز نجحت في جذب شريحة واسعة من المواطنين للانخراط في المنظومة، مما جعل “إعادة التدوير” سلوكاً يومياً مفيداً للأسرة والبيئة معاً.
منافسة غير رسمية
وأكدت مريم عفيفي أن منظومة إعادة تدوير الزيوت تواجه تحديات عدة، أبرزها ضعف التشريعات المنظمة لهذا القطاع، ونقص الوعي المجتمعي بمخاطر التخلص العشوائي، وأشارت إلى أن انتشار “المنافسين غير المرخصين” يمثل تحدياً كبيراً، بالإضافة إلى الصعوبات اللوجستية في الوصول إلى المناطق النائية، مما يفرض ضرورة التوسع المستمر في شبكات الجمع وتطويرها.
شراكة حكومية
ولفتت عفيفي إلى أن الشركة تعمل تحت مظلة شراكات فعلية مع وزارة البيئة وعدد من المحافظات لتسهيل عمليات الجمع، وأكدت أن هذا التعاون الرسمي يسهم في توسيع نطاق التغطية، ويضمن التزام قطاع أكبر من المطاعم والمواطنين بالمعايير الصحية والبيئية للمنظومة.