يفرض التوسع العمراني التي تمر به مصر ضغوطاً متزايدة على الأراضي الزراعية الخصبة، التي تعد العمود الفقري للأمن الغذائي الوطني، وبينما تسعى الدولة لتلبية الاحتياجات السكنية والخدمية المتزايدة، تتعرض الطبقة السطحية الخصبة للتربة للتدمير، مما يهدد استدامة الإنتاج الزراعي وحقوق الأجيال القادمة، ويظل التحدي الأكبر في إيجاد توازن دقيق بين متطلبات التنمية العمرانية وحماية ما تبقى من الرقعة الزراعية، لضمان مستقبل إنتاجي مستدام.
هروب من ضيق المعيشة
في البداية يرى محمود السيد، مزارع من قرية “روضة خيري” بالبحيرة، أن الزحف العمراني على الأراضي الزراعية هو نتيجة مباشرة لأزمات معيشية طاحنة، فزيادة عدد أفراد الأسرة وضيق المسكن يدفعان المزارعين للبناء على أرضهم لتوفير مأوى للأبناء، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وتراجع العائد المادي من الزراعة مقارنة بتكاليف الحياة المرتفعة.
قلة العمالة تقتل الإنتاج
ويضيف السيد أن الزراعة تواجه أزمة حقيقية بسبب قلة اليد العاملة، نتيجة عزوف الشباب عن العمل في الزراعة، هذا العزوف أدى إلى تراجع كفاءة الإنتاج، وغياب البدائل السكنية الحقيقية والمتاحة يضع المزارع أمام خيار واحد لا بديل له: البناء على أرضه، وقرار البناء على الأرض الزراعية هو قرار شخصي ناتج عن “تأثير الظروف والضغوط”.
قتل خصوبة التربة
وأوضحت الدكتورة تغريد أبو النصر، أستاذ خصوبة الأراضي بجامعة بنها، أن التوسع العمراني يدمر الطبقة السطحية الخصبة التي تستغرق تكوينها آلاف السنين، وإزالة هذه الطبقة الغنية بالكائنات الدقيقة والعناصر الغذائية بفعل البناء يفقد التربة قدرتها على دعم الزراعة، مما يضطر المزارعين لاستخدام كميات هائلة من الأسمدة، وهو ما يرفع التكاليف ويهدد الاستدامة.
استصلاح أراضي الردم
وأضافت أبو النصر أن إعادة تأهيل الأراضي التي تعرضت للردم والبناء ممكنة علمياً، لكنها تتطلب جهداً مضاعفاً يبدأ بإزالة المخلفات، ثم تحليل التربة، وتحسين خواصها بإضافة المواد العضوية و”الكمبوست”، وزراعة محاصيل خاصة لإعادة التوازن الحيوي.
سوء إدارة الري
وبينت الدكتورة أن تدهور نفاذية التربة للمياه لا ينتج مباشرة عن الأسمدة، بل عن ارتفاع نسبة “الصوديوم” الذي يؤدي إلى عجن التربة، وأشارت إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في ملوحة مياه الري وسوء الإدارة المزرعية، خاصة في الأراضي الطينية القريبة من أطراف المدن الأكثر عرضة للتدهور.
تخطيط صارم
واختتمت أبو النصر بضرورة تفعيل القوانين الرادعة للتعديات، وتبني تخطيط عمراني صارم يمنع البناء على الأراضي الخصبة، مع التوسع في الزراعة الرأسية والزراعة داخل المدن، وتكثيف الجهود لتعمير الصحراء لضمان الأمن الغذائي للأجيال القادمة.
تخطيط معتمد
وأوضحت المهندسة أماني عبد الله سلامة، مديرة قسم التخطيط العمراني بدمنهور، أن التوسع العمراني يتم وفق مخطط استراتيجي معتمد يُحدَّث كل عشر سنوات، مشيرة إلى أن هذا التوسع ضروري لتلبية الزيادة السكانية، وأكدت أن الأراضي الزراعية التي دخلت ضمن “الحيز العمراني” تُعد قانونياً أراضي بناء، حتى وإن استمر زراعتها فعلياً.
إحالة للمحاكم العسكرية
وأضافت سلامة أن التعامل مع التعديات يتم بحزم شديد، حيث تُرفع التعديات خارج الحيز فوراً، أما الأراضي داخل الحيز التي تُبنى بالمخالفة، فتفقد صفتها الزراعية نهائياً وتُتخذ الإجراءات القانونية ضد أصحابها، وأكدت وجود تنسيق مستمر لإحالة المخالفين مباشرة إلى المحاكم العسكرية لضمان الحفاظ على الرقعة الزراعية.
أولوية وطنية
وأشارت المهندسة إلى أن الحفاظ على الأراضي الزراعية أولوية وطنية، لافتة إلى أن الحلول تكمن في التوسع العمراني الرأسي وزيادة الارتفاعات، بالإضافة إلى إنشاء مدن جديدة في الصحراء، لتوفير مساكن وفرص عمل للشباب بعيداً عن أراضي الوادي والدلتا.
توسع متسارع
وأوضح المهندس أحمد زايد، بمركز ومدينة دمنهور، أن التوسع العمراني شهد تسارعاً كبيراً خلال العقد الأخير، لا سيما بعد عام 2011، فالتعديات الفعلية على الأراضي الزراعية بدأت تظهر جلياً منذ عام 2016، عندما تم استغلال أراضٍ مُنحت للمستثمرين لأغراض زراعية في إقامة مبانٍ عليها، وهناك مناطق توسعت عشوائياً، وجارٍ دراسة ضمها للحيز العمراني بعد المعاينة الميدانية.
وأضاف زايد أن الإجراءات القانونية تختلف بحسب الموقع؛ فالبناء خارج الحيز العمراني يُحرر عنه محضر مخالفة فوراً طبقاً للقانون رقم 119 لسنة 2008، ويتم إخطار الإدارة الزراعية، أما داخل الحيز، فيتم إحالة الأمر لإدارة التنظيم لفحص التراخيص، وتُصنف مخالفات “خارج الحيز” على أنها جسيمة وتستوجب الإزالة الفورية.
رقابة مشددة وإزالة فورية
وأكد زايد على وجود تعليمات مشددة بمنع توصيل المرافق لأي بناء مخالف، وتنفذ لجان المتابعة جولات دورية مرتين أسبوعياً لرصد أي تعديات، بالتنسيق الكامل مع مديرية الزراعة لضمان الإزالة الفورية للمخالفات الحديثة.
تناقص الإنتاج المحلي
وأوضح الدكتور محمد بدر الدين، رئيس قسم الجغرافيا بجامعة دمنهور، أن التوسع العمراني يضغط مباشرة على الأراضي الزراعية ويؤدي إلى تدهورها، وهذا التدهور لا يندرج تحت مفهوم “التصحر” الكلاسيكي الناتج عن عوامل طبيعية، بل هو نتاج مباشر للأنشطة البشرية، والبناء العشوائي يقلص المساحات المزروعة، مما يضر بالإنتاج المحلي ويزيد الاعتماد على الاستيراد.
خرائط الاستشعار تكشف التجاوزات
وبيّن بدر الدين أن الدراسات البحثية واستخدام تقنيات الاستشعار عن بُعد يوثق التطورات العمرانية اليومية، مؤكداً وجود تجاوزات كبيرة على الرقعة الزراعية منذ عام 2016 رغم القوانين الصارمة، وأوضح أن التوسع العمراني في المدن يسهم بقوة في فقدان الأراضي الزراعية الخصبة.
حلول جذرية
وأشار الدكتور إلى دراسات عملية في محافظة البحيرة أثبتت انخفاضاً ملموساً في المساحات المزروعة والإنتاجية نتيجة الزحف العمراني، واختتم بطرح حلول جذرية تشمل إنشاء مجتمعات عمرانية جديدة في المناطق الصحراوية، مع توفير الخدمات وفرص العمل لجذب السكان بعيداً عن أراضي الوادي والدلتا.
تحقيق: اسراء زايد