مفتش بيئي بالإسكندرية: غرامات رادعة وبلاغات فورية
وكيل وزارة الأوقاف بالإسكندرية: حرق القش “إفساد في الأرض” وجريمة في حق الهواء
تحقيق منار محمد أبو مسلم / أحمد السيد عبد الصادق
في كل صيف تغطي السحابة السوداء سماء الدلتا والقاهرة إثر حرق مخلفات الأرز، وأمام ضعف آليات التدوير وغياب الحلول المستدامة، يجد المزارع نفسه مضطراً لحرق أطنان القش كخيار أسرع وأقل كلفة، متجاهلاً النتائج الكارثية على البيئة وصحة الملايين التي تتنفس هواءً مشبعاً بالسموم، في هذا التحقيق نستعرض أسباب حرق المزارعين لقش الأرز، وكيف تعمل الدولة على للقضاء على تلك الظاهرة، وكيف توجه المزارعين لمواجهة تلك الظاهرة وطرح البدائل أمامهم.
رحلة القش من الحقل للمصنع
أوضح محمد الصافي، تاجر قش الأرز بمنطقة أبيس، أن الاستفادة من القش تبدأ بجمعه فور الحصاد، ثم فرمه أو كبسه وتجفيفه تماماً قبل توريده، وأشار إلى أن القش يُباع بالطن وتتفاوت أسعاره بناءً على الجودة ونسبة الرطوبة، حيث يُوجه لاستخدامات متنوعة تشمل إنتاج الأسمدة، الأعلاف، وصناعة الخشب المضغوط، وكشف الصافي أن لجوء بعض المزارعين للحرق بدلاً من البيع يعود غالباً لضيق الوقت بين المواسم أو نقص وسائل النقل والمخازن القريبة.
تقليل الهدر
وشدد التاجر على أن الاستثمار في تدوير القش يمثل فرصة اقتصادية واعدة للجميع، مشيراً إلى وجود تعاقدات سنوية بين التجار ومصانع الأعلاف والخشب لتقليل الهدر، وأكد أن انتشار الحرق يضر بالتجارة لكون القش المحروق لا يصلح لأي استخدام، مطالباً بتسهيلات من وزارة الزراعة لتوفير المعدات ونقاط التجميع القريبة من الحقول، لضمان تحويل القش إلى مورد اقتصادي مربح يقضي نهائياً على سحب الدخان السوداء.
ضيق الوقت وتكاليف الحصاد
وأوضح محمد متولي، أحد مزارعي النوبارية، أن موسم الحصاد الذي يمتد من نهاية أغسطس وحتى منتصف أكتوبر، يترك خلفه كميات ضخمة من القش تغطي الحقول بالكامل، وأكد أن ضيق الوقت قبل بداية الموسم الجديد، بجانب ارتفاع تكاليف النقل وغياب المعدات، يمثل الضغط الحقيقي الذي يدفع البعض لاختيار “الحرق السريع”.
الإرشاد في قلب الميدان
وأكد المهندس حسن الكرداوي، المسؤول بمديرية زراعة الأراضي الجديدة بالنوبارية، أن الإدارة تؤدي دوراً محورياً في دعم مزارعي البحيرة فنياً وإرشادياً طوال العام، والجهود لا تتوقف عند التوعية فحسب، بل تمتد لتنظيم ندوات حقلية وزيارات ميدانية لتوضيح أفضل الطرق للتعامل مع المخلفات الزراعية، خاصة قش الأرز الذي يمثل تحدياً بيئياً كبيراً مع كل موسم حصاد، بهدف تحسين جودة المحاصيل وضمان استدامة الإنتاج.
تحويل العبء إلى مورد
وأشار الكرداوي إلى أن المديرية تنسق مع وزارة الزراعة لتوفير مكابس ومفرمات القش بأسعار رمزية، لتسهيل تحويله إلى أسمدة عضوية أو أعلاف حيوانية بدلاً من إهداره بالحرق، ونوّه بأن عدداً كبيراً من المزارعين بدأوا بالفعل في تبني هذه الممارسات بعد إدراكهم للعائد الاقتصادي من “الكمبوست” والأعلاف، وهو ما يساهم في تقليل التكاليف وزيادة الربحية مع حماية البيئة من الانبعاثات الضارة.
مخاطر الحرق
وحذر المهندس من أن حرق القش يدمر خصوبة التربة ويفقدها عناصر حيوية كالنيتروجين والكربون، مما يضعف إنتاجية الأرض في المواسم اللاحقة، فضلاً عن كونه المسبب الرئيسي لظاهرة “السحابة السوداء”، مؤكدا أن الوزارة تشن حملات رقابية بالتعاون مع الجهات البيئية والأمنية لضبط المخالفين وفرض غرامات رادعة، مشدداً على أن الهدف الأسمى هو حماية صحة المجتمع ونشر الوعي بخطورة هذه الممارسات الكارثية.
خرافة التطهير بالنار
وأوضح الدكتور أحمد عبد العال علي، الأستاذ المساعد في كلية الزراعة جامعة الإسكندرية، أن لجوء المزارعين لحرق القش يعود لنقص الوعي البيئي والرغبة في تجهيز الأرض بسرعة دون تحمل تكاليف النقل، وفند عبد العال الاعتقاد الخاطئ بأن الحرق يطهر الأرض من الآفات، مؤكداً أن النيران لا تقتل الحشرات فحسب بل تدمر الكائنات الدقيقة النافعة التي تمنح التربة حياتها.
فاتورة التدهور العضوي
وأكد عبد العال أن الحرق يضرب خصوبة التربة في مقتل، حيث يؤدي لتدهور بنيتها العضوية وفقدان عناصرها الأساسية، مما يضطر المزارع لاحقاً لضخ كميات أكبر من الأسمدة الكيماوية لتعويض هذا الفقد، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج ويقلل جودة المحصول، وأشار إلى أن الأضرار تتجاوز تلوث الهواء بالجسيمات الدقيقة المسببة للأمراض التنفسية، لتصل إلى تدهور جودة مياه القنوات الزراعية نتيجة ترسب الرماد.
القش كوقود للمستقبل
وشدد الدكتور على أن قش الأرز يمثل “ثروة مهدرة” يمكن تحويلها إلى وقود حيوي لإنتاج طاقة نظيفة أو مدخلات لصناعة مواد البناء الصديقة للبيئة، بما يتماشى مع مفهوم الاقتصاد الدائري، وكشف عن دور جامعة الإسكندرية في تطوير مشروعات بحثية لتحويل القش إلى طاقة، وتصميم معدات متطورة لفرمه وضغطه، مما يسهل نقله واستغلاله صناعياً وزراعياً بدلاً من كونه عبئاً بيئياً يهدد الصحة العامة.
الرصد البيئي والميداني
وكشفت الدكتورة حنان إبراهيم، المفتش البيئي بمحافظة الإسكندرية، أن الإدارة تعتمد على قاعدة بيانات دورية لرصد المناطق الأكثر عرضة لحرق المخلفات الزراعية بالتنسيق مع مديريات الزراعة والوحدات المحلية. وأوضحت أن أزمة حرق القش رغم كونها “موسمية” إلا أن آثارها ممتدة طوال العام، حيث تتسبب السحب الدخانية في تدهور جودة الهواء وزيادة الملوثات العالقة، مما يهدد الصحة العامة خاصة لكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي.
رقابة صارمة
وأشارت إبراهيم إلى أن إدارة شؤون البيئة تمارس دوراً رقابياً حازماً عبر لجان مرور ميدانية خلال موسم الحصاد لضبط المخالفات وتفعيل القانون فوراً، وأضافت أن الإدارة تتفاعل بسرعة مع بلاغات المواطنين عبر الخط الساخن وشكاوى البيئة، مؤكدة أن التنسيق مع الأجهزة التنفيذية يضمن الاستجابة الفورية لأي تصاعد للأدخنة أو الروائح الناتجة عن الحرق، وأعلنت المفتشة البيئية أن الإجراءات القانونية تبدأ بتحرير محاضر فورية وإحالة المخالفين للجهات المختصة، مع إلزامهم بتكاليف الإزالة والتنظيف.
تأصيل شرعي: لا ضرر ولا ضرار
أكد الدكتور نجاح عبد الرحمن راجح، وكيل وزارة الأوقاف بالإسكندرية، أن حرق قش الأرز لا يجوز شرعاً لما يلحقه من أذى بالغ بالناس والبيئة، مشيراً إلى أن الإسلام نهى عن الإفساد في الأرض استناداً لقوله تعالى: «ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها»، وأوضح أن هذا الفعل يعد تعدياً على نعم الله بتدمير التربة وتلويث الهواء، مؤكداً أن المسلم مأمور بإعمار الأرض والحفاظ على صحة الإنسان والحيوان باعتبارها أمانة يُسأل عنها.
دور المنابر في حماية البيئة
وأشار راجح إلى أن وزارة الأوقاف تولي اهتماماً كبيراً بتوعية المزارعين من خلال خطب الجمعة والدروس الدينية، حيث يتم تسليط الضوء على الأبعاد الأخلاقية والشرعية للمسؤولية تجاه البيئة، وأضاف أن هناك تنسيقاً مستمراً مع وزارتي البيئة والزراعة لترسيخ مفهوم “عمارة الكون” وتغيير السلوكيات السلبية في المجتمع الريفي، مؤكداً أن الحفاظ على الهواء والماء من الملوثات جزء لا يتجزأ من صحيح الدين وشكر النعمة.
التدوير كمبدأ إسلامي
وأوضح وكيل الوزارة أن الشريعة الإسلامية تشجع على استثمار الموارد وعدم إهدارها، لذا فإن إعادة تدوير قش الأرز وتحويله إلى طاقة أو أعلاف يعد عملاً محموداً شرعاً لأنه يحقق النفع العام، واختتم بالتأكيد على أن القاعدة الفقهية «لا ضرر ولا ضرار» هي المحرك الأساسي لحماية المجتمع من الآثار الكارثية للحرق، داعياً المزارعين إلى استبدال الحرق بالانتفاع بمخلفات الأرض بما يرضي الله ويخدم الوطن.