تقرير: نورهان محمد عيد/ الاء السيد كامل
يبرز الفخار اليدوي كنموذج للاستدامة في مصر، حيث يمزج بين التراث والحفاظ على الموارد بإنتاج يعتمد على مواد طبيعية و’صفر مخلفات’، ومع مبادرة ‘اتحضر للأخضر’، تحول الفخار من حرفة تقليدية إلى رمز للعودة للطبيعة وشريك في بناء الجمهورية الخضراء.
روشتة الاستدامة
أوضحت الدكتورة مرفت مصطفى عبد المجيد، أستاذ الفيزياء الطبية وخبيرة الوقاية الإشعاعية، أن مفهوم المنتجات الصديقة للبيئة يتجاوز مجرد “الدعاية”، فهو دورة حياة كاملة تبدأ من مواد خام طبيعية وتنتهي بتخلص آمن لا يترك بصمة كربونية، وأكدت أن الاعتماد على الموارد المتجددة وتقليل استهلاك الطاقة في الإنتاج، مثل استخدام الأكياس القماشية والأواني القابلة للتحلل، هو المسار العلمي الوحيد لتقليل الأضرار البيئية المتراكمة.
واعتبرت الدكتورة مرفت أن “الفخار” يمثل النموذج المثالي للمنتجات الطبيعية المستدامة؛ فهو البديل الأكثر أماناً للأدوات البلاستيكية التي تملأ المحيطات والمدافن الصحية، وأشارت إلى أن إعادة إحياء استخدام الفخار في المنازل والمدارس والمطاعم ليس مجرد عودة للماضي، بل هو خيار عملي لتعزيز ثقافة “صفر نفايات”.
من الوعي إلى الممارسة العملية
وفي سياق المبادرات الوطنية، أشارت خبيرة الوقاية الإشعاعية إلى أن حملة “اتحضر للأخضر” أحدثت طفرة في الوعي البيئي المصري، لكنها شددت على ضرورة الانتقال من “مرحلة المعرفة” إلى “مرحلة التحفيز”، واقترحت الدكتورة مرفت تقديم حوافز مادية ومكافآت للمواطنين والمؤسسات التي تتبنى سياسات إعادة التدوير وترشيد الاستهلاك، مع تسليط الضوء إعلامياً على قصص النجاح لتكون قدوة ملهمة، مؤكدة أن المسؤولية مشتركة بين الدولة والمواطن لرسم ملامح مدن نظيفة تليق بالأجيال القادمة.
“أمان الفخار” بلمسة عصرية
من قلب ورشة والده، حيث تفتحت عيناه على سحر تحويل الطين إلى قطع فنية تنبض بالحياة، بدأ سيف محمد، صانع الفخار، رحلته مع مهنة الصبر والدقة، يروي سيف أن السر يكمن في “طين أسوان” الأنقى في مصر، الذي يمزج بالماء ويُشكل يدوياً ليخلق قطعاً طبيعية 100%، خالية من أي إضافات كيميائية.
تطوير أخضر
وأوضح سيف أن ورش الفخار اتجهت لتطوير أدواتها عبر الاعتماد على أفران الغاز بدلاً من الحطب لتقليل الانبعاثات، مع تركيب فلاتر لتصفية الدخان وإعادة تدوير الحرارة الناتجة لتجفيف القطع قبل حرقها، هذا التطوير لم يرفع جودة المنتج فحسب، بل ساهم بشكل فعال في ترشيد استهلاك الطاقة وتقليص البصمة الكربونية للصناعة.
وفي نموذج عملي لـ “الاقتصاد الدائري”، أكد صانع الفخار أن المخلفات داخل ورشته لا تعرف طريقاً للإهدار؛ إذ تُعاد القطع المكسورة إلى “المطحنة” لتُدمج مع الطين الجديد في دورة إنتاج مستمرة، أو تُستخدم كديكورات طبيعية في الحدائق ورصف الأرضيات، هذا الفكر يحول “النفايات” إلى موارد، ويضمن استدامة الخامات الطبيعية دون استنزاف.
ثقافة الاستهلاك
وأوضح يحيى إبراهيم، بائع ومنفذ منتجات الفخار، أن الوعي البيئي بدأ يترسخ في وجدان المستهلكين خلال السنوات الأخيرة؛ حيث اتجه الكثيرون لاستبدال الأدوات البلاستيكية الضارة ببدائل فخارية طبيعية، ورغم أن انخفاض تكلفة البلاستيك ما زال يغري البعض، إلا أن التوجه العام يسير نحو “المنتج المستدام”.
نبض الشارع
لم تعد العودة للفخار مجرد حنين للماضي، بل تحولت إلى “فلسفة استهلاك” واعية؛ تروي الأستاذة آية السيد تجربتها قائلة: “بدأت رحلتي بزير المياه الفخاري، حيث اكتشفت أن الفخار ليس مجرد قطعة تراثية، بل هو أداة طهي ذكية تسمح بنضج الطعام بهدوء وتوزع الحرارة بتوازن مذهل يمنع احتراق الأطراف ويحافظ على رطوبة ونكهة الأكل”.
وداعاً لثقافة “المرة الواحدة“
وتؤكد آية أن دافعها الأساسي كان “الوعي البيئي والصحي”؛ حيث قررت تقليل الاعتماد على المنتجات البلاستيكية و”وحيدة الاستخدام” التي تخلف أطناناً من النفايات، واستبدالها بخامات طبيعية معمّرة تدوم لسنوات، وأضافت: “هذا التحول غير طريقة استهلاكي اليومية، وجعلني أفكر ملياً قبل شراء أي منتج؛ فالفخار يمنحني شعوراً بالأمان لأنه لا يتفاعل مع الطعام، ويضفي لمسة دافئة على السفرة لا توفرها الأواني الحديثة الصماء”.