بقلم: محمد مجدي
لم تكن البيئة في مصر القديمة مجرد إطار جغرافي للحياة، بل كانت جوهر الوجود الإنساني ذاته. فالمصري القديم لم ينظر إلى الطبيعة كشيء خارجي عنه، بل كامتداد لذاته، وروح تسكن تفاصيل حياته اليومية، واليوم، تعود هذه الرؤية العميقة إلى الواجهة من خلال حملة «اتحضر للأخضر»، وإحياء هذا “الضمير البيئي” ليس كمبادرة معاصرة فحسب، بل كاستدعاء واعي لفلسفة حضارية ضاربة في الجذور.
لقد كان نهر النيل العمود الفقري لهذا الوجدان؛ فلم يكن مجرد مصدر مياه، بل رمزاً للتجدد، وأي إخلال بتوازنه قديماً كان يعني نهاية الحياة، وهي الفلسفة التي تتقاطع مع دعوات الحملة اليوم لترشيد الاستهلاك ومواجهة التغير المناخي، لتعيد صياغة وعي قديم بلغة العصر.
هذا الانتماء للأرض تجسد في مبدأ «ماعت» (التوازن الكوني)؛ حيث كان احترام الطبيعة التزاماً أخلاقياً، ومن يفسدها يُعد مخلاً بنظام الكون، وتستلهم «اتحضر للأخضر» هذا الرابط بجعل حماية البيئة مسؤولية وطنية وأخلاقية لا رفاهية.
تاريخياً، تجلت الاستدامة في العمارة والزراعة اللتين راعتا حركة الشمس والرياح ودورات التربة، وهو ما يعود اليوم تحت مسميات “البناء الأخضر” و”الزراعة المستدامة”، وقد نجحت «اتحضر للأخضر» في مخاطبة الوعي المجتمعي من خلال استدعاء غير مباشر للهوية الحضارية المصرية، فهي لا تقدم البيئة كقضية تقنية فقط، بل كجزء من الانتماء الوطني.